الفرنسيون يقتحمون الأزهر، بعد أن تغلبت قوة النار على قوة الثوار

دور بارز للأزهر في رفع المظالم عن الشعب المصري

كان للجامع الأزهر دور كبير في الثورات الشعبية ومقاومة الاحتلال، فلم يكن يحدث اضطراب في مصر إلا ويخرج علماء الأزهر صائلين وجائلين، وكانت المظاهرة تبدأ بصعود الثائرين على مآذن الجامع الأزهر الشريف يدقون الطبول، وتعلو أصواتهم هاتفة بسقوط الظلم، وداعية التجار إلى غلق حوانيتهم، وكانت الدراسة تتعطل مشاركة من العلماء والطلبة للجماهير في مشاعرهم، ثم يخرج الموكب الصاخب يتقدمه شيخ الجامع وعلماؤه ومجاوروه ويتجهون إلى الحاكم الظالم ويطلبون منه رفع المظالم عن الشعب، ولا يسع هذا الحاكم إلا أن ينزل على رغبتهم.

وفي ذي الحجة 1209ه (يوليو/تموز 1795م) تزعَّم علماء الجامع الانتفاضة الشعبية التي حدثت في القاهرة ردًّا على المظالم التي تعرض لها الشعب على يد المماليك، فما كان من إبراهيم بك (أحد أهم أمراء المماليك في تلك الفترة) إلا أن أرسل إلى علماء الجامع يسترضيهم فوقع الصلح الذي حضره كل من مراد بك والوالي العثماني صالح باشا القيصرلي.

كذلك كان للشيخ عبد الله الشرقاوي دور بارز في رفع المظالم عن عامة الشعب المصري خاصة من قبل محمد بك الألفي الذي أعلن الإضراب العام مما حدا بأمراء المماليك إلى رفع المظالم وتوقيع عهد أو حجة وقع عليها أمراء المماليك ومنهم مراد بك وإبراهيم بك.

وفي 1213هـ (1798م) اندلعت ثورة القاهرة الأولى ضد قوات الاحتلال الفرنسي، واستطاع الثوار في هذا اليوم قتل الجنرال ديبوي، فاتخذ الثوار من الجامع الأزهر مقرًّا لهم، مما دفع حاكم القاهرة الجنرال بون الذي خلف ديبوي إلى ضرب المدينة من على تلال الدراسة، فأطلقت أولى القنابل على المدينة وبالتحديد على الجامع الأزهر فانفجرت في الجامع، ثم انهالت القنابل على الجامع والمنطقة المحيطة به حتى كاد أن يتداعى، وتغلبت قوة النار على قوة الثوار، فاقتحم الفرنسيون الجامع الأزهر.

ويصف الجبرتي تلك اللحظات قائلا: "ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيل وبينهم المشاة وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه وكل ما صادفوه به عروه لتفتيشه".

كما كان لعلماء الجامع خاصة الشيخين مصطفى الصاوي وسليمان الفيومي دور في التوسط الذي حدث بين نابليون بونابرت وأهل القاهرة لتأمين المدينة قبل دخول الفرنسيين، كما كان لهم دور كبير في تعضيد حكم محمد علي باشا، وتزعم الشيخ عبد الله الشرقاوي الحركة الشعبية لخلع محمد خورشيد باشا وتنصيب محمد علي باشا مكانه في صفر 1220هـ (مايو/أيار 1805م).

وبرز دور علماء الجامع في التصدي لحملة فريزر الإنجليزية على مصر 1222هـ (1807م) واستطاعوا شحذ همم الشعب المصري للجهاد وتقديم المعونة لقوات محمد علي باشا المتجهة لصد الإنجليز في مدينة رشيد.

وكان لبعض علماء الجامع دور كبير في دعم أحمد عرابي باشا في ثورته ومقاومته للإنجليز الذين استعان بهم الخديوي لتثبيته في الحكم، ومنهم الشيخ شمس الدين محمد الإمبابي شيخ الجامع والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد عبده الذين اعتبروا الخديوي محمد توفيق مارقًا عن الدين وأجازوا عصيان أوامره ودعوا إلى التطوع في الجيش المدافع عن مصر وتقديم التبرعات له.

ومع قيام ثورة 1338هـ (1919م) تقدم علماء الأزهر وطلابه جموع الشعب المصري، وأصبح الجامع الأزهر مركز الإثارة؛ حيث تُلقى فيه الخطب المحرضة النارية ليلاً ونهارًا حسبما تشير مذكرة وكيل وزارة الخارجية البريطانية حول أحداث الثورة، ولم يتورع جنود الاحتلال البريطاني من انتهاك حرمة الجامع الأزهر كما فعل الفرنسيون من قبل.

ففي صباح 18 ربيع الأول 1338هـ (11 ديسمبر/كانون الأول 1919م) تحركت مظاهرة من الجامع الأزهر، غير أن الجنود الإنجليز طاردوا المتظاهرين حتى بوابات الجامع الأزهر، فاحتمى الثوار بالجامع فقام الجنود الإنجليز باقتحام الجامع بنعالهم وعصيهم منتهكين حرمة الجامع واعتدوا على إدارة الجامع والموظفين وحاولوا كسر الباب الموصل إلى القاعة المخصصة لشيخ الجامع الأزهر، ثم صعدوا إلى الدور الأعلى من الرواق العباسي وكسروا باب غرفة رئيس الحسابات.

وأرسل وقتها مشايخ وعلماء الجامع رسالة شديدة اللهجة إلى السلطان أحمد فؤاد الأول وإلى يوسف وهبة باشا رئيس مجلس الوزراء آنذاك والجنرال اللنبي المندوب السامي البريطاني، والذي سارع إلى تقديم اعتذار رسمي لشيخ الجامع الأزهر جاء فيه "لكم أن تثقوا بأنه لم يقصد البتة انتهاك حرمة الأزهر ولا التعدي على كرامة فضيلتكم أو السادة العلماء أو الطلاب المسالمين".

تطور عمارة الجامع الأزهر

وقد عني ولاة مصر في العصر العثماني بالجامع الأزهر وتجديد عمارته؛ فقام بتجديده 1004هـ (1595م) الشريف محمد باشا في عهد السلطان العثماني محمد الثالث 1003–1012هـ (1595–1603م)، وعمر به الوزير حسن باشا رواق الحنفية وفرش أرضيته بالبلاط في 1014ه (1605م)، وجدد الأمير إسماعيل بك ابن الأمير إيواظ القاسمي في 1136ه (1723م) سقف الجامع، كما أمر السلطان أحمد الثالث 1114–1142هـ (1703–1730م) بصرف خمسين كيسًا من مال الخزانة بمصر لترميم الجامع الأزهر.

وفي 1148هـ (1725م) بنى الأمير عثمان كتخدا القزدوغلي زاوية يصلي فيها العميان سميت بزاوية العميان (هدمت فيما بعد)، وكان يربطه بينها وبين المدرسة الجوهرية ممر من الحجر يمشي عليه، وكانت تحتوي على أربعة أعمدة وقبلة وميضأة ومراحيض، وفوقها ثلاث غرف للعميان لا يسكنها غيرهم، وجدد رواق الأتراك ورحبته ورواق السليمانية (الأفغانيين) وزاد في رواق الشوام.

وفي عهد الخديوي محمد توفيق باشا في 1306هـ (1888م)، تم ترميم قبة الحافظ المطلَّة على صحن الجامع، وتم تجديد المقصورة الخشبية على وجه جناح القبلة التي أقامها الخواجا مصطفي بن الخواجا رستم 900هـ (1494م)، كما قام بتجديد الأروقة التي أضافها عبد الرحمن كتخدا؛ وجدد رواق السنارية، وأضاف عمدًا إلى أروقة الظلتين الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية، فأصبحت العمد بها مزدوجة بعد أن كانت منفردة عند إنشاء المسجد، وفي 1308هـ (1890م) جددت عقود وأكتاف الظلة الشمالية الغربية بكتاباته الكوفية وزخارفه .

وقامت لجنة حفظ الآثار العربية في 1309هـ (1891م) بتجديد عقود الصحن، والسقف، وشملت هذه الأعمال هدم المباني التي كانت قائمة في واجهة المسجد الجنوبية الغربية، وفي النصف الغربي من واجهته الشمالية الغربية وإقامة واجهتين جديدتين بدلاً منهما، تضمان مباني جديدة منها الرواق العباسي الذي يقع في الواجهة الشمالية الغربية من المسجد، وفي 1314هـ (1896م) قررت لجنة حفظ الآثار إزالة كتاب عبد الرحمن كتخدا الذي كان يعلو باب المزينين، وفي إبريل/نيسان 1315هـ (1897م) تم إزالة الترابيع ذات الطلاء الأحمر والذي كان يشوه باب قايتباي .

كما أمر الخديوي عباس حلمي الثاني بتشييد الرواق العباسي، والذي يقع عند طرف الواجهة الشمالية الغربية، ولإنشاء الرواق فقد تم إصدار قرار بإزالة المحلات التي أحدثت بالواجهة الغربية، كما أوصى ديوان عموم الأوقاف بضرورة الحفاظ على الكتاب الذي كان يعلو باب المزينين غير أنه هدم، وقد أشرف على عملية الهدم حسن أفندي رفعت.

وقام الخديوي عباس حلمي الثاني بافتتاح الرواق في حفل مهيب في 24 شوال 1315هـ (18 مارس/آذار 1898م)، قام باستقباله خلاله الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر، وأعضاء مجلس إدارة الأزهر، والغازي مختار باشا ممثل الدولة العثمانية في مصر، والنظار ومدير الأوقاف ومحافظ القاهرة والعلماء والأعيان.

وفي 1358هـ (1939م) ظهر بقمة مئذنة قايتباي ضعف فاقتلعت ثم أعيدت إلى أصلها، وفي 1359هـ (1945م) قامت اللجنة بترميم وإصلاح مئذنة وقبة المدرسة الأقبغاوية في عهد الملك فاروق الأول، كما أمر بفرش الجامع بالسجاد اليدوي على نفقته الخاصة.

وفي عهد جمال عبد الناصر تم إنشاء الواجهة المطلة على شارع الأزهر 1390ه (1970م)، وقام رئيس باكستان السابق ضياء الحق بإهداء الجامع سجادًا حديثًا من نوع المحاريب.

وفي نهاية القرن العشرين وبالتحديد في 1419ه (1998م) تم تدعيم الأروقة التي أضافها عبد الرحمن كتخدا، وعمل أساسات للجدران بعمق 20 متر، لحماية الجامع من تأثيرات النفق الذي تم شقه تحت شارع الأزهر، وتبلغ مساحة الجامع الأزهر الحالية 11500 متر مربع تقريبًا أي 2.75 فدان تقريبًا.

(هذه المادة مستقاة من مشروع كتالوغ "الجامع الأزهر الشريف" الذي أصدرته مكتبة الإسكندرية لتوثيق تاريخ الأزهر منذ نشأته وحتى الآن ودوره الهام لأكثر من ألف عام، بالتعاون مع مشيخة الأزهر).