تهشيم العراق يبدأ من سومر

كان حظ السومريين سيئا، بالرغم من أن ملكهم جلجامش كان قد رأى كل شيء، مثلما ورد في الملحمة التي تحمل اسمه.

لقد أنكر الكثير من المؤرخين عراقيتهم.

البعض جاء بهم من الهند أو ايران. البعض الآخر اعتبرهم أكرادا حتى حلت بهم كارثة الالغاء انطلاقا من فكرة قومية متعصبة لم تستغ كونهم لم يكونوا عربا ولم يهاجروا من الجزيرة العربية مثل الاقوام الأخرى التي سكنت أرض العراق وشيدت حضاراته العظمى المتتالية.

مخترعو الكتابة طردوا بسبب الجهل والفقر المعرفي خارج التدوين.

كانت زقورتهم التي هي واحدة من أهم العلامات المعمارية في التاريخ بيتا للاله فإذا بها بعد الاحتلال الاميركي تصبح ثكنة للغزاة.

لقد امتدت أيدي اللصوص إلى أختامهم الاسطوانية وإلى تماثيلهم الصغيرة التي هي معجزات جمالية نادرة فحملت إلى أسواق الانتيك ليضيع أثرها.

ولم يكن السكان المحليون بعيدين عن تلك المأساة التي حلت بذكرى الاجداد العباقرة الذين أهدوا العالم العجلة التي مشت بنا في اتجاه الحضارة وانقذتنا من أزمنة الظلام. كان البعض منهم قد لعب دور الوسيط أو الدليل أو الشاهد الصامت، المذل.

وكما يبدو فان الحظ السيء لا يكف عن الحاق الكوارث بالسومريين. ما أن يمتلأ وعاؤهم بآثار كارثة حتى تحل بهم كارثة جديدة تكون أكبر من الكارثة التي سبقتها.

"جمهورية سومر المستقلة" هي آخر تلك الكوارث.

هناك اليوم جهة ما في العراق صارت تدعو علنا إلى انفصال جنوب العراق واقامة دولة للشيعة تكون نقية مذهبيا تحت حجة لطالما انتظرها أعداء العراق الموحد تقول بلسان صانعيها "لم نعد نطيق البقاء مع الآخرين والاستمرار في الشراكة معهم في وطن واحد".

لم يقلها الكرد وإن لوحوا بالانفصال غير مرة.

أما أتباع المذهب السني فبالرغم مما تعرضوا له من اضطهاد وتهميش وعزل وحرمان من الكثير من حقوق المواطنة فإن أحدا منهم لم ينطق بها.

الجملة الخائنة نطق بها من بيده السلطة. وهو أمر غريب فعلا.

نطق بها شيعة يدركون جيدا أن سادتهم فشلوا في الحفاظ على العراق وبناء دولة جديدة فيه تحل محل الدولة القديمة التي حطمها المحتل.

فهل هم يهربون من استحقاق مواجهة تنظيم داعش الذي اعتبروه اختراعا سنيا؟

في وقت سابق تخلت الحكومة التي يديرونها عن سكان المناطق التي احتلها داعش بعد أن أتهمتهم بالخيانة والتواطؤ مع العدو. وهي تهمة باطلة، لأن أولئك السكان المحرومين من حق المواطنة كانوا وحدهم المتضررين من غزوة داعش التي هزم فيها الجيش العراقي الذي لا تزال الحناجر تصدح في مديحه باعتباره عنوانا للمظلومية الشيعية التي يأبى الكثيرون التخلي عنها بالرغم من أن السلطة والثروة صارتا بأيديهم.

لم يعترف أحد من طاقم الحكم بمسؤوليته عن تلك الهزيمة التي أدهشت وحيرت وأربكت الكثير من عواصم القرار السياسي عبر العالم، غير أن أحدا في العراق لم يشعر بالعار بسببها.

لقد حدث العكس تماما.

فبعد تلك الهزيمة صار التفكير الانفصالي يطفو على السطح بطريقة ممنهجة، لا علاقة لها بالارتجال المنفعل المؤقت.

ولكن لماذا تكون سومر عنوانا لعار جديد سيلحق بالعراقيين؟

لماذا لم يتخذوا من بابل وهي المدينة الاكثر شهرة في العالم مدخلا لمشروعهم الخياني؟

أعتقد أن من اختار الاسم كان يفكر في تلك الدعاوي التي تضع السومريين في منطقة عزل وقطيعة في مواجهة باقي سكان العراق من العرب. هناك رسالة ينطوي عليها ذلك العنوان مفادها أن ذلك الجزء الذي يريدون الهروب به لن يكون عربيا.

فبعد أن تمت اشاعة مفهوم العرب السنة في وسائل الاعلام سيأتي اليوم الذي يتم فيه تداول مفهوم الشيعة من غير أن تتم الاشارة الى هويتهم القومية.

شيء من الدهاء الفارسي قد امتزج بالغباء الذي يتميز به سياسيو العراق ليقفا وراء الطبخة المسمومة التي تمثل طعنة جديدة إلى أجدادنا السومريين.