الجامعة العربية والهنود الحمر!

ساقتني الظروف لزيارة صديق قديم بالجامعة العربية. لا أدري ما الذي اعتراني وأنا أدلف من بوابة بيت العرب الكبير. أمراض الجسد العربي انتقلت للمبني فأصبح يعاني نسيان المسؤلين وإهمال الموظفين وغياب موظفي الأمن وتجرؤ سيارات المارة على الاصطفاف داخل حرمه الذي كان مصونا. تـساءلت بيني وبين نفسي هل ستصبح الجامعة العربية قريباً متحفاً جديداً نعرض فيه نماذج للقوميات العربية المندثرة كما يتعامل الأميركيون مع الهنود الحمر الذين انقرضوا بفعل إبادة المستعمر الأبيض لهم، اما نحن فسننقرض ذاتياً. فنحن اصبحنا نقتل بعضنا البعض ونذبح بعضنا الآخر، وعما قريب سنكون قد انقرضنا، واستأصلنا شأفتنا بأيدينا لا بيدي عمرو.

في الطريق إلى مكتب صديقي صور من ماضينا الجميل. عندما كنا كباراً حتى ونحن مهزومين.. وفاعلين حتى ونحن تحت الاحتلال. كان لنا كبير ننصت له حتى ونحن نختلف معه ونهاجمه. اتحدث عن صورة اجتماع القمة العربية عام 1970 والذي توفي بعده عبدالناصر يوم 28 سبتمبر. الملك حسين يجلس في جانب وياسر عرفات في الناحية الأخرى من المنضدة. كان أيلول الأسود قد لوث يدي العاهل الأردني بدماء الفلسطينيين وبدأ ابناء القدس ورام الله وعكا ويافا ينتقمون من الأردنيين. سال الدم العربي، لكن كما قلت كان هناك زعيم طلب من أخوانه الحضور للقاهرة فلبوا. حقن الدماء وفرض وقف اطلاق نار بين الشعبين الشقيقين. بذل من دمه وأعصابه وصحته الكثير حتى ناء قلبه بما تحمل فهوى المارد الذي كان الجميع يلوذون به حتى في أشد لحظات انكساره قسوة ومرارة بعد نكسة 1967.

ظللت أتأمل الصورة طويلاً مستحضراً الماضي التليد وأقارنه مع الحاضر البليد. كنا نعرف طريقنا لحل الأزمات. الآن أصبحنا ننتظر تعطف سيد البيت الأبيض لينقذنا من داعش ونتوسل للدب الروسي القابع في الكرملين أن يناشد حليفه بشار الأسد بالتوقف عن قتل السوريين.

أصبحنا عراة بدون غطاء عربي وأيتام بدون قائد. تحكمت فينا ميليشيات وإرهابيون وطائفية. بنينا سدود الكراهية وخنقنا القومية والهوية العربية. أصبحنا فاشلين.. عاجزين عن الحياة أو الموت بشرف. نتساقط كالطير المذبوح.. في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء وطرابلس. نحن شعوب فاشلة وحكومات كسيحة وخرائط تتغير صباحاً ومساءً. حتى جيوشنا تقتلنا بدلاً من أن توجه مدافعها نحو العدو! أسود علينا وفي الحروب نعام ونعاج.

ما يغيظني ويخرجني عن أعصابي هؤلاء السياسيون الذين يظهرون يومياً في الفضائيات يسألون بكل وقاحة "اين اميركا"، نريد مظلة دولية لحمايتنا. هانت علينا نفوسنا، فأهانونا الآخرين.

داخل الجامعة العربية تشعر أن المشهد العربي لا يمكن أن يجتمع تحت سقف واحد، أو يتكلم لغة واحدة. فمعظم الدول الأعضاء تحتاج 5 مندوبين ليمثلوها ويتحدثوا باسمها. دولنا أصبحت مقسمة طائفياً وجغرافياً ومذهبياً ودينياً.. والجامعة العربية ترفض الاعتراف بذلك أو لا ترى المشهد على حقيقته فقد أصبحت عيونها صدئة وتحتاج إلى تبديل بصيرتها.

مشهد بائس

المشهد العربي المتشكل حالياً في خمس دول على الأقل هو مشهد يدعو إلى الرثاء والحزن. عشرات الإيديولوجيات والأحزاب والتنظيمات والألوية والكتائب والمجموعات، كل واحدة تدين بدين، وكل واحدة تؤمن بمذهب، وكل واحدة على عداء مع الأخرى، وترفض قبولها، وأصبح السيف هو لغة الحوار، وهو الذي يحسم الصراع فيما بينها. وعجائبية المشهد تكمن في أن أحداً لا يستطيع حسم الصراع لصالحه، ليس لأنه عاجز عن تحقيق ذلك، ولكن لأنه غير مسموح له تجاوز خطوطه الحمر، ولأنه بكل بساطة لا يمتلك قراره وزمام أمره، وهو مقيد بالدعم المالي العسكري واللوجيستي الذي يأتيه من الجهات المتحكمة بالصراع.

مطلوب من المشهد العربي أن يبقى على حاله، ومطلوب منه في الفترة القادمة أن يزداد تأزماً وتفسخاً وشرذمة، ومطلوب من كل جهة أن تزيد من تدميرها، وتضاعف أعداد القتلى والجرحى والمشردين والنازحين والفقراء. مطلوب من المشهد العربي أن يزداد فوضوية وتأخراً حتى يصل إلى مرحلة يصاب فيها الجميع بالإرهاق، ويستجدون جهة أخرى لوقف القتال والصراع، وهذه الجهة جاهزة بقدراتها القتالية وخبرائها واموالها، وهي تستعد للعودة عندما يأتي الحريق على الأخضر واليابس حتى يقبل بها الجميع، وهؤلاء لن يسألوا ماهية هذه الجهة، وأهدافها وانتماءاتها وخططها، فالمشهد سيكون في حاجة ماسة للمأوى ولقمة الخبز وجرعة الماء وحبة الدواء والأمن والأمان.

لقد بدأت الولايات المتحدة بالتحرك، ومعها الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، لإنقاذ الأقلية الإيزيدية التي تشرذمت على الجبال وفي الصحراء ومهددة بالموت، ولإنقاذ المسيحيين الذين هجروا من محافظة الموصل العراقية، ولإنقاذ الأكراد وحكومتهم وأراضيهم وآبار نفطهم وأموالهم وتجارتهم، وقد أعلنوا جميعاً استعدادهم لتسليح البشمركة للتصدي لزحف مقاتلي "دولة الخلافة".

هذه الدول تشاهد ما يجري في سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات، تتفرج على الدمار وأنهار الدم والرؤوس المقطعة، وتتابع "بطولات" النصرة وداعش، وتشاهد البراميل المتفجرة وطوابير النازحين والمشردين. منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تفكر في تزويد المعارضة السورية بأسلحة غير فتاكة، وأحياناً تفكر بتزويدها بأجهزة اتصالات، حتى وصل عدد القتلى إلى ما يقارب 200 ألف، وحتى تم تدمير مساحات شاسعة من المدن والأراضي الزراعية والمناطق الصناعية. وهذه الدول تشاهد ما يجري أيضاً في ليبيا منذ الإطاحة بصديقها العقيد القذافي، ولم يرمش لها جفن وليبيا تحترق شيئاً فشيئاً.

وهذه الدول لم تكن تلعب دور المتفرج كما يظهر للجميع، كانت ترسل أسلحة عبر تركيا للمعارضة السورية، وكانت تذهب كل تلك الأسلحة إلى أطراف متشددة متطرفة، حتى قويت شوكة المتطرفين، وأصبحوا يطالبون التنظيمات المعتدلة للعمل تحت ألويتهم، ومبايعتهم، ومن يتأخر يتم قطع رأسه أو تفجيره بسيارة مفخخة.

هذه الدول المتحضرة لم تفعل شيئاً سوى أنها استقبلت عشرات النازحين السوريين والعراقيين والتونسيين والليبيين، وستعمل على دمجهم في مجتمعاتها ليحلوا الأزمة الديمجرافية التي تعاني منها تلك المجتمعات، بدلاً من مساعدتهم على تحقيق الاستقرار في بلدانهم وابقائهم فيها.

المشهد العربي الرسمي القابع تحت قبة جامعة الدول العربية ظل على حـــاله، لم يهب أحد لنجدة البشمركة، أبطال العصر الذين سيواجهون داعش وأخواتها، والذين سيحصدون نتائج لا تتوقعها الجامعة، التي لم تتحرك لنصرة الجيش العراقي، وربما لموقفها من المالكي، وانتظرت حتى تحركت الطائرات الأميركية والألمانية وبعدها ستتحرك طائرات حلف الناتو.

هل قرأ أحد مرحلة ما بعد المشهد العربي الحالي، وهل يفكرون بما ستؤول إليه الصورة النهائية للمنطقة العربية، هذه المنطقة المهددة بأن لا تبقى عربية، مع وجود الأطماع الغربية والعالمية، ومع وجود اسرائيل المتحفزة للإنقضاض على المشهد برمته في اللحظة المناسبة.

لم يقرأ أحد حتى الآن هذا المشهد بالسرعة المطلوبة، فداعش تدق أبواب بغداد بينما السياسيون يتناحرون، والجماعات المسلحة تحرق ما تبقى من ليبيا بينما "البرلمانيون" يتقارعون، وداعش طرقت باب لبنان من جهة عرسال، ولبنان يعيش فراغاً رئاسياً، ويدير أموره بحكومة مؤقتة، ومهدد بفراغ برلماني، ناهيك عن أزمته الاقتصادية الخانقة، والفلتان الأمني المستشري من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه.

ومن سيتولى إعادة تنظيم هذا المشهد، ومن سيتولى إعادة تركيبه من جديد، والتأليف بين المتناحرين؟

المرحلة القادمة خطيرة جداً، وعلي الجميع أن يفكروا بطريقة جماعية تتجاوز حدود كل دولة، وإلا سيتم ترجمة المقولة المعروفة: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.