إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (4 / 7)

يا أبانا الذي صار في الصيدليَّات والعُلب العازلة/ نَجِّنَا من يد (القَابلة)

تبرز حركة الزمن الدائرية مرة أخرى في "سفر ألف دال" في صورة الشهور المتعاقبة التي تشبه الزهور. وعين ألف دال التي رقبت من قبل في صورة القطار حركة الزمن الدائرية هي عينها التي ترقب الزهور/ الشهور وهي تنمو وتحترق:

الشهور زُهُورٌ على حافةّ القلبِ تنمو

وتُحرقها الشمسُ ذاتُ العيون الشتائية المطفأة

إن ارتحال "ألف دال" هو ارتحال يرقب حركة الزمن الدائرية، فأول الفصول يؤدي إلى آخرها، وآخرها يؤدي إلى أولها، والشهر الأول يؤدي إلى الشهر الأخير، والشهر الأخير يسلم مقاليد الأمور إلى الشهر الأول.

إن هذه الحركة تنفي الأول والأخير في الشهر والفصل والسنة، وتؤكد على أنه ليس ثمة نقطة بداية أو نهاية، تنمو الزهور وتحترق، وتتطور الحياة ويهدمها الموت بانتشاريته، إنه الالتباس أو الإشكال بين الأسئلة المعتلقة بالحياة والأسئلة المعتلقة بالموت.

ويطرح الإصحاح الثالث هذا البعد الإشكالي منذ بدايته، ثم يفصل دوائر الحياة المختلطة بدوائر الموت أو يشيد أشكال الحياة التي سوف تفضي حتماً إلى أشكال الموت:

زهرةٌ في إناءْ

تتوهَّج في أوَّل الحبِّ بيني وبينكِ

تصبح طفلاً .. وأرجوحة .. وامرأة

زهرةٌ في الرداء

تتفتَّحُ أوراقها في حياءْ

عندما نتخاصَرُ في المشية الهادئة

زهرة من غناء

تتورد فوق كمنجات صوتكِ

حين تفاجئك القبلة الدافئة

زهرةٌ من بكاء

تتجمَّدُ فوق شجيرة عينيكِ في لحظات الشجار الصغيرة

أشواكها :الحزن والكبرياء

....... .......

زهرةٌ فوق قبر صغيرْ

تنحني وأنا أتحاشى التطلعَ نحوكِ ..

في لحظات الوداع الأخير

الشهور هي حركة الزمن الدائري، وتتجسد هذه الحركة في زهور متنوعة سرعان ما تنقضي في دورة الشمس المتعاقبة، فزهرة الحب تصبح طفلاً وأرجوحة وامرأة، وزهرة الجمال والأناقة تبرز في المشية الهادئة، وزهرة الغناء والانتشار والبهجة تتحقق في القبلة الدافئة، إن الحياة تدخل دائرة النمو والتطور، لكنها ليست متروكة لكي تستقر وتنعم بالديمومة والاتصال.

إن دوائر الموت تلوح في الأفق، وتعلن عن مداراتها الشاجية، وزهرة الحب والجمال والغناء تتحول إلى زهرة من البكاء والعويل في لحظات الشجار، ثم تنقلب موتاً صغيراً مقترناً بلحظات الوداع، وتفضي هذه الحركة إلى الحقيقة المؤلمة المفجعة للوجود الإنساني التي ليست سواها في هذا العالم فتحترق الزهور، ويلوذ ارتحال ألف دال بالصمت والدمع إذا الليل جاء، لكن الصمت والدمع يكشف رغبة ضمنية في العثور على زهرة لا تحترق، زهرة لؤلؤة يمكن أن تصمد في مواجهة الموت:

تتعرَّى، وتلتفُّ بالدمع في كل ليل إذا الصمتُ جاء

لم يَعُدْ غيرُها من زهور المساء

هذه الزهرة – اللؤلؤة!

لكن الرغبة الضمنية في العثور على العالم الحلم، الزهرة اللؤلؤة لا تمنع صخب الموت وانتشاريته.

في الإصحاح الرابع يحاول "ألف دال" أن يرقب الحياة وكيفية صناعتها وإنتاجها:

تحبل الفتياتْ

في زيارات أعمامهنَ على العائلة

ثمّ يجهضهن الزحام على سُلم "الحافلة"

وترام الضجيج!

صناعة الحياة وإنتاجها ترتبط بالتوالد والتناسل، لم تفقد الفتيات بعد القدرة على الإنجاب، لكن تلك القدرة المرتبطة بقدرة الإنسان على إنتاج الحياة أصبحت قدرة مشكوكاً فيها، فهي تتم في علاقة غير شرعية وآثمة.

في هذه الحالة تصبح صناعة الحياة تشييداً مصطنعاً. لقد وجه الموت ضربته التي تسهم في تعطيل الحياة، وفي فقدان الذات الإنسانية قدرتها على الاستمرار، وبدا الزحام والضجيج والحافلة والترام أدوات يستخدمها الموت للقضاء على الحياة حتى ولو كانت مزيفة ومصطنعة.

إن الإنسان لم تعد لديه القدرة على إنتاج الحياة وصناعتها، لقد صار منع الحياة ومقاومة إنتاجها ديدناً نحاول البحث عنه:

يا أبانا الذي صار في الصيدليَّات والعُلب العازلة

نَجِّنَا من يد (القَابلة)

نَجِّنَا، حين نَقضم – في جنَّة البؤس- تفَّاحة العربات

وثيابَ الخروجْ !!

إن الحياة مخضبة بالموت وعلاماته، إنها جنة البؤس، والفرار منها هو فرار من براثن الموت ومداراته.