أحمد عبدالحميد .. العازف على أوتار الحب

فين العرسان جرالها إيه

عددٌ غير قليل من الإصدارات الشعرية المطبوعة – الآن – سواء على نفقة أصحابها أو الجهات الرسمية تحمل بين دفتيها مجموعةً من الأغنيات، على عكس المتعارف عليه وهو أن الأغنية تكتمل باللحن والأداء الغنائي، ولا تقف عند شط القراءة، ولعل الباعثَ إلى ذلك هو صعوبة الوصول إلى الملحن من جهةٍ، أو لافتقاد المؤلف الغنائي للوساطة وعدم وجوده في "شلّة" فنية من جهة أخرى.

بالإضافة إلى اشتراط لجان النصوص بالإذاعة والتلفزيون إلى كثير من الإجراءات الإدارية المعوقة وطول المدة الزمنية للبتِّ في النصوص الغنائية المقدَّمة إليها.

وقد لجأ عدد كبير من مؤلفي الأغنية إلى جمعها وإصدارها في شكل دواوين حفْظاً لها من السرقة وأيضاً كوسيلة توثيق في وقتٍ تنتشر فيه السرقات الأدبية الأدبية وخاصة في مجال الأغنية.

ومن هؤلاء المؤلف الغنائي السكندري أحمد عبدالحميد الذي قدم لنا من قبل مجموعةَ أغنياتٍ بعنوان "بنك الحب", وبين أيدينا مجموعته الغنائية الثانية بعنوان "دلع الحب" التي تضم أربعين أغنية تعزف جميعها على أوتار عاطفة الحب لا سيما بين الرجل والمرأة من وصلٍ وهجرٍ ودلالٍ وأحلامٍ وآمال ومشاعر نفسية نبيلة وملامح إنسانية جميلة، تعّمد في رسمها إظهار البساطةِ والوضوح والبُعد عن الغموض والصور الشعرية المركبة.

ومن أمْيز ما جاء ضمن هذه المجموعة الغنائية هذا الديالوج الغنائي بين مجموعة البنات ومجموعة الشباب، معبراً فيه عن مشكلة ارتفاع المهور وتكاليف الزواج بسبب الظروف الاقتصادية القاسية، مما أدى إلى عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع عدد العانسات، وقد أجاد في مناقشة هذه المشكلة الحياتية من خلال حوار غنائي خفيف الظل سريع الإيقاع الذي التزم فيه بتفعيلات بحر المتدارك، بالإضافة إلى مهارته في اختيار الألفاظ التي جسدت مشاعر البنات وأيضا إجابات الشباب: وهو بعنوان "جرى إيه":

البنات:

فين العرسان جرالها إيه ** لبسين نظاره غامقه ليه

د احنا بنات حلوين قمرات ** شيل نظارتك يا سمك إيه

جرى إيه

الشباب:

ما نتم يا بنات عايزين ألوفات ** وحساب جاري ومجوهرات

وحاجات يا ما وسيارات ** ده شيء ما نقدرش عليه

جرى إيه

البنات:

بس تعالى أنا لك مياله ** وأوامرك ع الراس متشاله

عنواني بحري السياله ** وبسرعة ياللا مستنى إيه

خد نمر التليفون كلمنا ** وبلاش من صوتك تحرمنا

والتكاليف خليها ما بينا ** مش ح تجيب غير دبله يا بيه

قلت إيه

وإلى جانب قدرة المؤلف على مناقشة المشكلات الاجتماعية، نجده ينجح في كتابة الطقطوقة الغنائية، وهي الشكل الغالب لمعظم أغنيات المجموعة، وفي طقطوقته بعنوان "حبك كلام وأغاني" يؤكد على إرادة الإنسان المُحب وعدم الخضوع أو الضعف أمام نسيان الحبيب أو هجره:

ما أقدرش أحبك تاني ** حُبك د كلام وأغاني

من بعد غرامك ليه ** تشغل قلبى وتنساني

حبك د كلام وأغاني

أنا كنت أعز حبيب ** وبحبك مهما تغيب

لكن بعد اللي عملته ** ويايا مالكش نصيب

وبتسأل فين عنواني ** وانت هجرت حناني

حبك د كلام وأغاني

وفي شكل آخر من أشكال كتابة الأغنية وهو "الدوببيت" يقدم لنا مبدأً جميلاً قوياً وهو جواز المرور للسعادة وراحة القلب والشعور بأجمل الأحاسيس الإنسانية إذ يدعونا إلى أن نحب الحياة والناس وهو في ذلك يؤكد قول الشاعر إيليا أبي ماضي:

إنَّ نفسا لم يشرق الحُبُّ فيها ** هِىَ نفْسٌ لم تدْرِ ما معناها

أنا بالحب قد وصلت إلى نفسي ** وبالحب قد عرفتُ اللهَ

ويؤكد أيضاً على قول الشاعر الغنائي عبدالوهاب محمد:

دانت لو حبيت يومين ** كان هواك خلاك ملاك

ويؤكد أيضا على قول الشاعر الغنائي مرسي جميل عزيز:

دا الدنيا يا ناس ** من غير الحب ما بتتحبش

وقد أحسن اختيار العنوان لعمله الغنائي هذا إذ أسماه "صدقني" وكأنه ينم عن التجربة الحياتية الطويلة وما بها من صفوةٍ وخلاصة وتأمل قوله:

إملا حياتك بالحب ** وحب كل الناس

ها تعيش سعيد القلب ** وتدوق أجمل إحساس

صدقني

الحب دا أحلى حاجة ** كل الناس له محتاجه

والدنيا من غير حب ** ما تساوي أي حاجة

صدقني

وضمن هذه المجموعة الغنائية الكثير من الأغنيات التي لو كتب لها الوصول إلى الملحن الماهر الذي يعهد بها إلى الأداء الغنائي، لكان لمؤلفها الشهرةُ الواسعة ضمن المعروفين من مؤلفي الأغنية المعاصرة الآن.

ولا بدَّ من السعْي لكي تخرج هذه الأغنياتُ من حيز القراءة إلى مجال الاستمتاع الغنائي الواسع.