كاميرا المراقبة، عين البغداديين على السيارات المفخخة

حتى لا يعرقل التطرف حياة العراقيين

بغداد ـ شاعت في العاصمة العراقية بغداد خلال الأشهر الأخيرة، ظاهرة لجوء أصحاب المحال التجارية الى نصب كاميرات مراقبة في واجهات محالهم، لرصد حركة مسلحين أو سيارات مفخخة يحتمل ركنها تمهيداً لتفجيرها لأحقاً عن بعد كما حدث في مرات لا حصر لها خلال عقد من الاضطراب الأمني.

وفي أقل من أسبوع تعرضت الكرادة وسط بغداد إلى تفجيرات بثلاث سيارات مفخخة. والكرادة منطقة عريقة يسكنها بتعايش وسلام، مواطنون بمختلف المكونات من سنة وشيعة ومسيحيين وكرداً، وتضم كذلك مقار غالبية الأحزاب والقوى السياسية في العراق، ومساكن لممثليها.

بعد هذه التفجيرات أغلقت الجهات الأمنية ولأيام عدة الشارع الرئيسي في المنطقة، وهو الإجراء الذي اعتادت على اتخاذه كرد فعل على العنف، والشيء الوحيد الذي تنجح به بحسب مواطنين ناقمين في الكرادة، عبروا عن سخطهم بنحو علني، فاضطرت الحكومة الى إعادة افتتاح الشارع، ولكن باتجاه سير واحد فقط، بدلاً عن اتجاهين.

باسم إبراهيم واحد من أصحاب المحال التجارية المتخصصة بالألبسة في الكرادة، تضرر محله بدرجة كبيرة، ومع ذلك أعاد ترميمه، وعمد الى وضع كاميرات مراقبة عند مدخل المحل، لمراقبة المكان وربما ابعد باتجاه الشارع المقابل.

وقال باسم وهو يطوي ملابساً ويضعها على أحد الرفوف "اشتريت كاميرات مراقبة من أجل رصد حركة الأشخاص والمركبات على حد سواء، لأنه تتيح رصد السيارات المشتبه بها ومن يقودها قبل تفجيرها، كما إن الإرهابي عندما يرى الكاميرات قد يخشى التنفيذ، وربما يتراجع عن خطته لأنه سيكون مكشوف الهوية".

باسم ليس الوحيد الذي قرر أن يلجأ إلى كاميرات المراقبة، الكثيرون مثله في بغداد لجأوا الى هذا الخيار، وخصوصاً في أسواق العاصمة الرئيسية كـ "الكرادة" و"المنصور" و"بغداد الجديد" و"البياع" و"السيدية" وغيرها.

وتنتشر العشرات من مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب لتفجيرات حدثت في أسواق تجارية في بغداد تم تصويرها بواسطة كاميرات مراقبة، وتستقطب هذه المقاطع الكثير من العراقيين، ويتداولونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو على يوتيوب.

في بعض المقاطع يتم الكشف عن السيارة المفخخة التي انفجرت، ونوعها، ولونها، كما يُكشف عن صاحبها الذي ركنها وتركها بلا عودة موهماً من يراه بأنه يريد شراء حاجة ما من المحل المقابل، لكنه يتحايّل ويتوارى بسرعة عن الأنظار.

بعض مقاطع الفيديو غير واضحة من ناحية التصوير لأنها لا تكشف بدقة رقم السيارة مثلا أو شكل الشخص الذي ركنها أو لأنها تحتاج إلى خبراء في الأدلة الجنائية لتحليلها.

وانتشرت محلات بيع كاميرات المراقبة في بغداد بنحو لافت في الآونة الأخيرة وخصوصاً في سوق "هرج" وسط العاصمة، وتبيِّن واجهات هذه المحال العشرات من أنواع الكاميرات والعروض الخاصة بأسعارها ومواصفاتها.

كامل الآلوسي يملك واحداً من هذه المحال قال زاد الطلب في الأسابيع الأخيرة على الكاميرات التي نعرضها، من قبل مالكي المحلات التجارية في مختلف أنحاء بغداد، بعد ان كان مقتصراً أمر اقتناءها على المؤسسات الحكومية.

ويضيف "أنواع الكاميرات مختلفة من ناحية المساحة التي تؤمن تغطيها، وجودة صورتها، وتتراوح أسعارها بين 50 الى 1500 دولار، وبعض هذه الكاميرات يمكن ربطها على شبكة الانترنيت، وتتيح لصاحب المحل التجاري على سبيل المثال مراقبة محله ليلا وهو جالس في منزله".

وأحد من هذه المقاطع المنتشرة على الأنترنت، تكشف بنحو واضح عن شخص ركن سيارته قرب رصيف في منطقة "بغداد الجديدة" وتركها ثم هرول مسرعاً. أنتبه الى ذلك صاحب محل تجاري قريب، يدعى سيمون جرجيس، كما رصدت كاميرا محله الحالة أيضاً.

وروي سيمون كيف انه لحق بالشخص، وفشل بالإمساك به، فعاد ليبلغ أصحاب المحال المجاورة والمواطنين، بالابتعاد عن السيارة لأنها قد تكون مفخخة، وأنه اتصل بالشرطة، لكنها وصلت بعد فوات الأوان، إذ انفجرت السيارة وخلّفت أضراراً مادية".

وما يثير سخط سيمون هو إن الشرطة لم تهتم بمقطع الفيديو الثمين الذي صورته كاميرته، وقال "كنت أتوقع أن يأتي أشخاص من دائرة الأدلة الجنائية للبحث عن أدلة عن الإرهابي الذي صوّرته الكاميرا بوضوح وهو يركن السيارة ويترجل منها، ولكن للأسف الشرطة تجاهلت هذا رغم إنني أبلغتهم بالموضوع".

وذكر نقيب الشرطة صفاء محمود أن "بعض مقاطع الفيديو التي نأخذها من أصحاب المحال التجارية غير صالحة لأن نوعية الكاميرات رديئة وبالتالي يكون تصويرها غير واضح".

وبحسب النقيب صفاء فإن معظم التفجيرات التي تمت بالسيارات الملّغمة في بغداد منذ مطلع العام الحالي لا يقودها انتحاريون بل أشخاص يقومون بركن السيارات في الشوارع، ثم يقومون بتفجيرها عن بعد، والبعض من هؤلاء يتأنق في المظهر، لكي لا يلفت الى نفسه الأنظار والشكوك.

وقال عضو مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي إن "كاميرات المراقبة مهمة ونحن نشجع على اقتنائها، ولدينا مشروع بإلزام أصحاب المحال التجارية جميعاً على نصب كاميرات مراقبة. وستفرض عقوبات بحق المخالفين، كما إن مجلس المحافظة ينوي نصب أكثر من عشرة آلاف كاميرا يتم توزيعها في مختلف شوارع ومناطق العاصمة".

الخبير الأمني والعقيد المتقاعد عمار الشريفي بيّن أن "كاميرات المراقبة لها فوائد عظيمة في التقليل من حوادث العنف عموماً ومن بينها التفجيرات، لأنها ترصد حالة الشوارع على مدار الساعة بينما لا يستطيع رجل الأمن القيام بذلك".

ويضيف "وضع كاميرا واحدة في الشارع يعوِّض عن نشر نقطة تفتيش كاملة تضم خمسة عناصر، لأن عناصر نقطة التفتيش يتعبون بسبب وقوفهم في الشارع وقد لا يقومون بعملهم بنحو جدي، كما إن نقطة التفتيش تسبب زحاماً شديداً في الغالب على النقيض من عمل الكاميرا، الذي يستمر24 ساعة يومياً دون مضايقة الناس". (نقاش)