ليبيا.. عشية تدخل خارجي مقبل!

لا استغربُ ان ترتسمَ ابتسامة شماتة على شفاه سيف الإسلام القذافي في سجنه هذه الأيام. حذَرَ الرجل، بما يشبه التهديد، الليبيين بتقسيم وتشرذم ليبيا إذا ما سقط نظام والده. بدا الإبن واثقاً من ولاء الغرب الليبي يائساً من امكانات استرجاع شرقه إلى أن فقدت القذافية ليبيا غرباً وشرقا. لكن مخيّلة القذافي الإبن في استشراف الكارثة توقفت عند التقسيم الثنائي ولم تقوَ على الذهاب أو حتى تصوّر تلك الورشة التفتيتية الجارية حالياً.

ثار الليبيون على نظام الجماهيرية في ليبيا، هكذا صدرت الرواية بطبعتها الأولى. لكننا اكتشفنا في الطبعات اللاحقة المنقّحة أن ليبيين ينتمون إلى وجهات ومشارب هم من تحركوا منذ الارهاصات الأولى في بنغازي، فيما تحفّظ ليبيون آخرون ينتمون إلى وجهات ومشارب أخرى عن الانضمام لذلك الحراك. بعضهم حارب وقاتل دفاعاً عن نظام القائد للقضاء على "الجرذان، بيت بيت، زنقة زنقة".

بدا أمر الحدث في ليبيا اقتتالاً أكثر منه قتالاً بين نظام ومعارضة. على أن إرادة دولية عملانية (لاسيما فرنسية) هي من حسمت مخاض الليبيين فأسقطت النظام وقطعت رأسه متسلّحة بقرار أممي (رقم 1973)، ثم تركت للمقتتلين تدبر أمر بلادهم وبلائهم.

لا تأسف واشنطن هذه الأيام على مشاركتها في إئتلاف دولي للاطاحة بنظام القذافي، لكن الرئيس أوباما نادمٌ على ترك البلد لشأنه وعدم الإشراف على إدارة البدائل، معتبراً (حسب النيويورك تايمز) أن تخلي بلاده عن إعادة إعمار ليبيا "خطأ لا يُقبل تكراره"، فيما سفيرته في طرابلس ديبورا جونز ناقشت مع رئيس الحكومة المؤقتة عبدالله الثني، "تشكيل قوة لحفظ السلام في ليبيا بمعية الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة".

في أتون المعارك ضد نظام معمر القذافي نبتت الميليشيات متأسسة على هويات وانتماءات، تسلحت مما ملكت أيديها أو ما أُرسل لها، واستولت بحكم الأمر الواقع على مواطن الثروة في البلاد. وفيما كان من المفترض أن يبتلع منطق الدولة منطق الثورة بعد انتصارها، وفيما كان من المفترض أن تذوب الميليشيات في المؤسسات، جرى الاعتراف بها ومأسستها، فكان أن إلتهمت الدويلات الدولة ودخلت في حلقة تدمير ذاتي لا ينفع لوقفها صيّغ الصفقات والتسويات. فمن لا يملك كبيراً عليه أن يستدعي كبيرا.

في تبسيط لتعقد ليبيا وتشابك تفاصيلها، ينقسم البلد هذه الأيام بين منطق مصراتة ومنطق الزنتان. لا شيء في تلك "الالياذة" يشبه الحرب بين سبارتا وطروادة، سوى في رمزية المكانيّن وما يمثلانه، ربما، من خيارات سياسية لليبيا المستقبل. على خلفية ذلك المشهد يجري الصراع بين الإسلاميين بتنوعاتهم من جهة، وخصومهم بتنوعاتهم من جهة أخرى. داخل ذلك الصراع المفترض أنه محليّ، تتقاطع وتتنافر دول إقليمية ودولية، فيتجاوز الحدث ليبيته ويروح ليندرج في وقائع التشكّل الجراحي واصطفافاتها في كل المنطقة.

قبل أشهر، وقبل ظهور داعش في العراق، قابلت الدكتور خيرالدين حسيب، رئيس مركز دراسات الوحدة العربية. الرجل معروفٌ بمعارضته لما حصل في بلاده، العراق، منذ غزو عام 2003، منتقدٌ للعملية السياسية واللاعبين فيها، آسفٌ على حال بلد غارق بالعنف والمذهبية والمحاصصة وحكم الأوصياء. قال الرجل إن الحلّ في العراق يبدأ بوضع إدارة البلد لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، وحين سألته مشاكساً عن هذا الاقتراح الذي ينالُ من سيادة بلد لطالما كان متشبثاً بها، أعاد تأكيد الأمر بصفته الخلاص الوحيد.

لا نعرفُ إذا ما تجاوزت الأحداث العراقية منذ ظهور داعش واختفاء المالكي اقتراح حسيب، لكنه، أي الإقتراح، بدا طازجاً ديناميكيا في ما ذهب إليه البرلمان الليبي من طلب قدمه للأمم المتحدة للتدخل لوقف العبث في البلاد. وفق ذلك المنحى، أصبح التدخل الخارجي العسكري شبه حتمي (على الرغم من أن اوساط برلمانية ليبية نفت تقصدها طلب تدخل عسكري أو الإستقواء بالخارج على حساب أطراف ليبية)، سواء جاء تنفيذاً لقرار صادر عن مجلس الأمن، او جاء بناء على ضرورة إقليمية قد تلجأ إليها دول الجوار، لا سيما مصر والجزائر(لاحظ تنامي التعاون الأمني بين البلدين خصوصاً بعد زيارة الرئيس السيسي للجزائر).

تسع دول، مغاربية وأوروبية، تنفذ تمارين قتالية ومناورات مشتركة لمواجهة احتمال استعمال طائرات مدنية وعسكرية مسروقة من ليبيا في هجمات ارهابية، فيما أُعلن عن نصب المغرب صواريخ أرض – جو في عدد من المواقع ذات الأهمية في البلاد، تحسباً، وفق الصحافة المغربية، لتهديدات ارهابية عن طريق الجو مصدرها ليبيا. العلّة الليبية تتداعى على دول الجوار، والمعضلة الليبية أضحت هاجساً اقليمياً دولياً، يستدعي تدابير لا سيطرة لليبيين عليها.

يأخذ الاطراف الليبيون الفاعلون احتمال التدخل الخارجي على محمل الجد، ذلك أن التطورات العسكرية الميدانية اليومية، منذ الهجوم على مطار طرابلس الشهر الماضي، تشي بالمضي في فرض أمر واقع يعطل او يعرقل مفاعيل أي تدخل خارجي، او يضطره للتعامل مع واقع هذا الأمر. وفيما ترسل الأمم المتحدة مبعوثيها لدراسة طلب البرلمان (خصوصاً حركة بيرناردينو ليون مبعوث الأمم المتحدة الخاص الجديد إلى ليبيا)، تتسرب من الجزائر كما من القاهرة (عمرو موسى تحدث عن تدخل عسكري مصري محتمل)، سيناريوهات، ما زال احتمالها ضبابيا، عن خطط تُعد للتدخل بشكل أحادي أو منسق أو من ضمن عمل عسكري متعدد الأطراف (الصحف المصرية كانت كشفت قبل أسابيع أن الرئيس السيسي فاتح نظيره الايطالي لاستطلاع قرار أممي في هذا الصدد).

للاخوان المسلمين وحلفائهم الإسلاميين وداعميهم الإقليميين عنوان عسكري تحت مسمى "فجر ليبيا" (رداً على عملية "كرامة ليبيا" التي يقودها اللواء خليفة حفتر)، وعنوان سياسي يسيّرون من أجله المظاهرات في طرابلس ومصراتة وبنغازي وغريان رفضاً لأي تدخل أجنبي. وفوق ذلك الحراك الميّداني جدل قانوني حول دستورية اجتماع البرلمان في طبرق (بدل طرابلس)، وبالتالي شرعية القرارات الصادرة عنه.

اعتماداً على معطيات الأسابيع المنصرمة، فإن الإسلاميين يتقدمون ميدانياً في سعي واضح لحسم صريح، ذلك أن العجالة الليبية هي بالأحرى إقليمية يُنفَق عليها الكثير من أجل ردّ النكسة التي منيّ بها الإخوان في مصر، بترجيح قوة الجماعة عند الجار الليبي (وزير الخارجية الليبي محمد عبدالعزيز حذر مؤخراً من أن تصبح بلاده إمارة إسلامية). على أن خطورة النهايات التي يسعى إليها الجميع (سواء لدى الحلف الإقليمي المؤيد للقاهرة أو ذلك المناكف لها) يجعل من النزاع الليبي عرضة لكر وفر كثير يعكس كر وفر الجهات الاقليمية، علماً أن احتمالات التدخل الخارجي تحتاج إلى سياق دولي منسجم، قد يكون المزاج الدولي المتحوّل ضد داعش في العراق رافداً له. يبقى أن ما قيل أنه طائرات "مجهولة" قصفت مواقع عسكرية في طرابلس، قد ينذر بالأعراض الأولى لتدخل خارجي علنيّ بامتياز.