الارهاب الذي لا حرب عليه

هل الحرب على تنظيم داعش هي جزء من الحرب العالمية على الارهاب؟

وإذا ما كان مفهوم الارهاب نفسه غامضا وملتبسا، فهل يعقل أن تكون الحرب عليه واضحة الملامح؟ مَن يحارب مَن وهل انقذت الحرب على الارهاب ضحايا حربه على المجتمع؟

في تبرير ضرباتها الجوية لم تتطرق الولايات المتحدة إلى رغبتها في تدمير قوة داعش، بل كانت واضحة في تحديد هدفين لتلك الضربات. الاول هو حماية الموظفين الاميركيين الموجودين في اربيل والثاني التأكد من سلامة النازحين في متاهة تشردهم الذي لن ينتهي.

وهو ما يعني أن مرتزقة داعش سيكونون في مأمن من العقاب الاميركي إن هم التزموا بعدم المساس بسلامة موظفي الولايات المتحدة ومصالحها في اربيل وإن هم توقفوا عن مطاردة النازحين وبالاخص في جبل سنجار.

لن يتساءل أحد عن نوع وعدد اولئك الموظفين الذين شعرت الولايات المتحدة بالخطر بسبب اقتراب داعش من اربيل التي هي مقرهم، فهو شأن أميركي، غالبا ما يُحاط بالسرية التامة، غير أن مسألة عودة النازحين إلى مدنهم والتي لم تكن شأنا اميركيا ستظل تقلق الجميع وتضع الكثير من علامات الشك والريبة في طريق أية محاولة لفهم مفاتيح أهداف الحرب على الارهاب التي ليس من بينها الحيلولة دون أن ينجز الارهابيون جرائمهم العلنية.

لقد تم تهجير المسيحيين من الموصل قبل أن يتم تهجير الازيديين في جبل سنجار ولم تتخذ الولايات المتحدة خطوات جادة من أجل حمايتهم لا من أجل عودتهم إلى الموصل التي تبدو مستحيلة. وحين بادرت فرنسا بالترحيب بهم لاجئين على اراضيها، فقد كانت تلك المبادرة بمثابة تلويحة سلام واطمئنان لداعش.

ما يفعله الارهابيون سيجد له مَن يهبه صيغة قانونية مريحة، تكتمل من خلالها فصول الجريمة. فمن غير داعش لم يكن في إمكان مسيحيي العراق الحصول على تأشيرة دخول سياحية إلى الاراضي الفرنسية.

لقد وهب تنظيم داعش مسيحيي العراق فرصة لا يحلم بها أي عراقي. أن يكون لاجئا ويتخلى عن حقه في وطنه وينقطع عن جذوره ويكون جزء متسولا في دورة الرعاية الاجتماعية.

أكان منح حق اللجوء من وجهة نظر فرنسا نوعا من الحرب على الارهاب؟

يحق لنا أن نتساءل حائرين "هل افراغ العراق (الشرق العربي كله) من المسيحيين وهم جزء من سكان االمنطقة الاصليين هو جريمة داعشية أم مكيدة غربية، وجدت في سلوك داعش التكفيري مخرجا لها؟"

لم تقل الولايات المتحدة إنها عن طريق الضربات الجوية تسعى إلى القضاء على تنظيم داعش الذي هو رأس الحربة الحالية للارهاب العالمي، بعد أن أفل نجم القاعدة.

هل كانت جادة فعلا في القضاء على تنظيم القاعدة من قبل؟

لقد نأت الولايات المتحدة بنفسها عن المسألة العراقية تحت ذريعة أنها لا تريد التورط ثانية في المستنقع العراقي. ولكن هل كان العراق بيئة منتجة للارهابيين قبل أن تقوم الولايات المتحدة باحتلاله وتدمير بنيته وتمزيق نسيجه الاجتماعي وفرض نظام المحاصصة الطائفية والعرقية أساسا للحكم فيه؟

في سالف ايام حربها على الارهاب لم تعلن الولايات المتحدة عن وجود عراقي واحد في التنظيمات الارهابية.

كان الاحتلال الاميركي هو من صنع المستنقع في العراق، وهو ما تنفر الولايات المتحدة اليوم عن الخوض فيه.

وهذا ما لم يستوعبه سياسيو العراق، سنة وشيعة، عربا وأكرادا حتى هذه اللحظة.

لقد اعلن الرئيس الاميركي صراحة أنه لن يضع جيشه في خدمة اجندة شيعية تخطط لابادة السنة. اما ما يُقال عن تسليح الاكراد في مواجهة داعش وهو الاجراء الذي كان موقع احتجاج بالنسبة لحكومة بغداد فما القصد منه إلا حماية اربيل، بالمعنى الذي يحمي المصالح الاميركية.

وهكذا يكون لغز الحرب على الارهاب قد وضع بين أيدينا واحدا من أهم مفاتيحه.

حين يتحدث الامريكيون عن الحرب على الارهاب فانهم لا يقصدون إلا حماية مواطنيهم من شروره. اما الآخرون فإن عليهم أن يستعيدوا شعورهم الوطني لكي يكتشفوا عدوهم الحقيقي.