تسليح كردستان بين الضرورة والخطورة

بعد المد "الداعشي" في سوريا والعراق، وما نتج عنه من تهديد لدول إقليمية عدة، وبعدما امتدت جرائم "الداعشية" إلى أقليات المنطقة دينية كانت أم اثنية قومية من أكراد ومسامين ومسيحيين وايزيدين، ارتفعت وتزايدت الأصوات المطالبة بتسليح كردستان العراق تحت مبررات وضرورات مواجهة الإرهاب الممارس ضد الإقليم، وأخذت هذه المطالبات منحى دوليا تمثل بوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، واستعداد كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا مد الإقليم بالأسلحة المناسبة، بعدما تدخلت الولايات المتحدة جويا في بعض المواضع لضرب قوات "داعش" من باب التهديد الذي يمكن أن يشمل أو يطال مصالحها في اقليم كردستان.

في المبدأ يعتبر هذا الحراك المطلبي كرديا أو إقليميا ودوليا مطلبا محقا، وضرورة واجبة التحقيق لمواجهة الإرهاب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل بمقدور كردستان العراق وحدها وان امتلكت السلاح المناسب مواجهة الإرهاب منفردة؟ وهل يجوز للاتحاد الأوروبي مثلا تقرير توريد السلاح لإقليم من حيث المبدأ يعتبر جزءا من دولة عربية؟ كما السؤال يطرح نفسه أيضا ما هي ضمانات عدم وصول هذه الأسلحة الى "داعش" تحديا؟ وما هي حدود مخاطر استعمال هذا السلاح لتعزيز الانفصال الذي يسعى إليه اقليم كردستان عن الدولة إلام العراق؟

في الواقع تعتبر هذه التساؤلات محقة وفي موقعها المناسب التي لا تخلو من خلفيات وتداعيات مجرّبة مسبقا في العديد من الوقائع والأحداث التي جرت وتجري في العراق وحوله. صحيح أن اقليم كردستان يتعرّض لمخاطر حقيقية واضحة المنشأ والمعالم، وصحيح أن الإقليم يمتلك من القدرات العسكرية عدة وعددا ما يمكنه من استعمال السلاح ربما بكفاءة عالية وفقا للهدف المطلوب منه، إلا أن التجارب السابقة في مواجهة مثل تلك الجماعات الإرهابية تؤكد عدم قدرة طرف أو دولة أو حتى مجموعة دول من مواجهة مثل تلك الأعمال، من دون تضامن دولي متعدد المطارح والوسائل، فمحاربة الإرهاب ليست عسكرية أو أمنية فقط بل تمتد لوسائل كثيرة حددتها قرارات دولية كثيرة بدءا بالقرار 1370 وما تلاه من قرارات وتوصيات صادرة عن منظمات إقليمية ودولية، ورغم هذه الإحاطة الدولية للمواجهة لم تتمكن اعتى الدول قوة من مواجهة الإرهاب بالشكل والكيف الذي يقضي عليه تماما، فكيف بإقليم كردستان مواجهة ذلك؟

إضافة إلى ذلك كيف يمكن تقرير تسليح اقليم هو كيان من فدرالية عراقية موصوفة دستوريا؟ فبصرف النظر عن الواقع السياسي والدستوري الذي يظهر فيه الإقليم من استقلال واقعي لافت لم ينقصه سوى الإعلان الرسمي ليتحوّل من واقعي إلى قانوني، فإن التوصيف القانوني للإقليم هو جزء من دولة منضوية في الأمم المتحدة ومعترف بوحدة أراضيها وسيادتها، وبالتالي فمن غير القانوني تجاوز السلطة المركزية وتسليح اقليم فيها بمعزل عن رضا وقبول السلطة المركزية.

الأمر الأشد خطورة من هذا التسليح، هو إمكانية وصول هذه الأسلحة إلى مسلحي "داعش"، وهو أمر سبق وحدث في بعض المحافظات العراقية كالموصل مثلا حيث تم تسليم المحافظة مع أسلحتها الكاملة في ظروف ساعات، وذهبت مليارات الدولارات من الأسلحة هباءً منثورا من يد الجيش العراقي إلى العصابات المسلحة! فما هي الضمانات لعدم تكرر المشهد ذاته مع اقليم كردستان؟ ببساطة لا شيء. الأمر الآخر وهو يطرح بداهة حول إمكان استثمار القوة المضافة من هذا السلاح في تعزيز الانفصال عن العراق. واقعا هذه الفرضية ليست بحاجة لتأكيد في معرض تأكيد المؤكد، وبصرف النظر عن عدم مشروعية الدولة الكردية من عدمها، فان المطالبة بالاستقلال القانوني بعد الواقعي أصبح أمرا واقعا أيضا بل مطلب شعبي وقيادي كردي واضحين، ولم يكبح جماحه حتى الآن سوى إجماع الدول الإقليمية المتضررة من إعلان الدولة الكردية، وبالتالي هذه القوة العسكرية المضافة ستستعمل للوصول إلى حلم الدولة القومية الكردية في المنطقة بصرف النظر عن حدود وإمكانات تحققها والاعتراف بها.

يبقى من المؤكد القول، أن محاربة الإرهاب "الداعشي" في المنطقة أكثر من ضرورة وواجب إنساني، باعتباره بات يهدد حضارات وثقافات بأكملها، وان أدوات هذه المواجهة تتطلب إجماعا دوليا للمواجهة وتجفيف منابع الدعم له، فالتجارب السابقة في محاربة الإرهاب، خففت وحدت منه في بعض المناطق والدول والمجتمعات، لكنها نمت وترعرعت وتكاثرت في بعض المناطق نظرا للدعم المباشر والاحتضان السياسي والمالي لهذا الإرهاب. وبالتالي إن مواجهة "الداعشية" يتطلب استراتيجيات اكبر بكثير من تسليح اقليم في دولة، أو مجموعة دول في اقليم ما.