الدراما المصرية تشخص داء ودواء مجتمعها

من المسؤول؟ وما الحل؟

تصدرت شاشات القنوات الفضائية في السنوات الأخيرة الماضية مجموعة من الأعمال الدرامية المصرية تناولت بعمق وجدية شرائح المجتمع المصري، وعرضت للمتلقي علاقتها ببعضها البعض والقوانين والعادات الرابطة فيما بينها، مع إضاءة متميّزة على قصص وأحداث لها خصوصيتها درامياً.

واعتمدت الدراما المصرية في طرحها على سؤالين يقعان دوماً في صلب الحدث هما: من المسؤول؟ وما هو الحل؟

ولم تتميّز هذه الأعمال بمواضيعها المطروحة فقط، بل تميّزت بالمعالجة الفنية لها أيضاً، حيث بات النجاح الجماهيري ونقصد به كثرة المتابعة واستحسان الأعمال، صفةً لصيقة بكل عمل على حده. إلى جانب ما أثارته من ضجة نقدية ليس على الصعيد الفني فحسب، بل على الصعيد الاجتماعي والسياسي كذلك.

ونذكر على سبيل المثال، مسلسل "بنت اسمها ذات" عن قصة صنع الله إبراهيم وسيناريو وحوار مريم نعوم وإخراج كاملة أبو ذكري وخيري بشارة ومسلسل "بدون ذكر أسماء" لمؤلفه وحيد حامد ومخرجه تامر محسن ومسلسل "موجة حارة" عن رواية "منخفض الهند الموسمي" لأسمة أنور عكاشة، سيناريو ومعالجة درامية مريم نعوم وإخراج محمد ياسين ومسلسل "سجن النسا" عن مسرحية للكاتبة الراحلة فتحية العسال وهو من سيناريو وحوار مريم نعوم.

وفي حين لا يوجد أي تشابه درامي بين هذه الأعمال، إذ يختلف كل عمل بشخصياته وحكايته وبأحداثه وحواراته، إلا أن ثمة تقاطعا كبيرا بين المواضيع جميعها باعتبارها منتقاة بعناية فائقة ودقيقة من عمق المجتمع المصري. حتى أننا إذا ما مزجنا حكاية أحدها، بحكاية آخر قد نخرج بحكاية جديدة مترابطة للغاية تترجم الواقع المعيش في مصر قبل وبعد واليوم.

كما يمكنك في بعض الحكايات أن تتلمّس تحولات المجتمع المصري بين الماضي والحاضر، وللأسف فهي تحولات ليست إيجابية أفرزت عن قصد أحياناً وبالصدفة أحياناً أخرى، التطرف الديني، التحرش الجنسي بالمرأة، التراجع الفكري، الانحدار الاقتصادي، انحسار المواطنة، وتشظي العديد من المفاهيم الوطنية والقومية بالتزامن مع حلول سلطات دكتاتورية قلّصت دور المواطن كفرد له حقوق من أجل أن تبقى هي إلى الأبد.

ويبدو في كل الأعمال المقدمة، التي نحن بصدد الحديث عنها، أن المرأة بطل أساسي في كل الحكايات. تستمد دور البطولة من كونها أنثى أولاً، ومن كونها واقعة في مجتمع سلطته ذكورية تقتات على أكتاف النساء. ويبدو أيضاً أن استغلال المرأة جنسياً أصبح مهنة يتوارثها البعض ويتورط في أبعادها وقضايا أسماء كبيرة من رجالات الحكم ورجالات الدين.

لنستنتج أن ظهور المرأة درامياً هنا يأتي كرديف حقيقي لمراحل تطور المجتمع المصري. الشيء الذي ينعكس على دورها وشكلها وحوارها. فكلما كان التعصب الديني أوسع كانت المصيبة أكبر، بينما أفرز كل من الفهم الصحيح للدين والانفتاح الذهني في الزمان القديم أي قبل عقود لا أكثر، مجتمعاً أفضل على جميع المقاييس خاصةً في العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة.

وفي مسلسل "بنت اسمها ذات" نذهب في الحلقة الأخيرة مع بطلته "ذات" التي جسّدت دورها الفنانة نيللي كريم، إلى الشوارع المصرية للمطالبة بالتغيير والعدالة، فكانت ثورة 25 يناير. وكأن المسلسل يقول أنه لا مفر من المواجهة ولا مفر من الثورة على الفساد والظلم، لا مفر من قول "لا" بوجه كل فاسد وأنه مهما طال الزمن فكل من يمشي بجانب "الحيط" وهو صامت خوفاً ورغبةً بالستر سيأتي يوم ويقف فيه في منتصف الشارع صارخاً وهاتفاً. ويفهم من هذا أن كل من الكاتب والسيناريست والمخرج يؤكدون على أن "الثورة" هي الحل لإنقاذ مصر مما يحل بها.

كل تلك المسلسلات وإذ تطرح سؤالين بغاية الأهمية والحساسية، وهما: من المسؤول؟ وما الحل؟ تراها تجيب عنهما ضمن الأحداث الدرامية من الحلقة الأولى وحتى الحلقة الأخيرة، تفضح المسؤولين عن الكوارث الحاصلة وتشير إلى الحلول الممكنة. لكن من سيسمع؟ أو من سينفذ؟ وهما سؤالان جديدان من حقنا كمشاهدين من مصر أو من أي مجتمع عربي أن نسألهما، فكثير من البلدان العربية مصابة بذات الداء وبحاجة إلى علاج جذري.