إخوان مصر في الحكم... العزلة الشُّعورية

الاتصال بالجاهلية

يعتبر سيد قطب هو المنظر الأهم في تاريخ حركة الإخوان (المصريين) والأكثر تأثيراً في مسيرتها، خصوصاً في العقود الأربعة الماضية، في الفترة من عام 1973 - تاريخ خروج الإخوان من المعتقلات وإعادة تأسيس الجماعة مع ولاية الأستاذ عمر التلمساني- وحتى العام 2013، العام الذي خرجت فيه الجماعة من حكم مصر بعد تجربة حكم لم تستمر سوى عام واحد.

هيمنة القطبية

فعلى الرغم من انفتاح شخصية عمر التلمساني ورغبته الجادة في الانفتاح على المجتمع المصري والعمل من خلال حزب سياسي بشكل واضح وشفاف، فقد اصطدمت مساعيه بتدبير المجموعة القطبية التي أدارت الجماعة من وراء ظهره، وتحديداً الحلقة الأضيق التي مثلها مصطفى مشهور وأحمد حسنين وحسني عبدالباقي وكمال السنانيري وغيرهم من رجال سيد قطب.

سيطرت المجموعة القطبية على أهم لجان الجماعة، وهي لجنة التربية المسؤولة عن صياغة الشخصية الإخوانية عقائدياً وفكرياً، ومثلت كتابات سيد قطب: "في ظلال القران"، و"هذا الدين" و"معالم في الطريق"، أهم الأدبيات التي شكلت ضمير القواعد الإخوانية، وكان أخطر ما حدث للشخصية الإخوانية هو العزلة الشعورية التي قدمت باعتبارها السلوك القويم في مواجهة ما سماه بالجاهلية: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية: تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية".

وفى مواجهة هذه الجاهلية لابد من طليعة، هي من وجهة نظره شرط التمكين للأمة، يقول: "إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة وتمضي في الطريق، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعاً، تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب، ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية".

إذن هي العزلة التي تتعزز في ضمير الفرد الإخواني لتجذر شيئاً فشيئاً قطيعته مع المجتمع، الذي يتعامل معه من دون أن يتوحد معه وجدانياً. هو منفصل عنه لا يشعر بمشاعره ولا يشاركه أحلامه، فعندما يحلم المصري بدولته الوطنية ويفكر لها ويطرب ويهتز وجدانه لنشيدها الوطني، يحلم الإخواني بدولة أخرى أممية ليس لها نشيد أو عَلَم، ولكنها تسكن وجدانه المعزول المستعلي: "إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألاّ نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً لنلتقي معه في منتصف الطريق، كلا إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق، وسنلقى في هذا عنتاً ومشقة وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية".

القطيعة مع المجتمع

بهذه النفسية تتعزز القطيعة بين الإخوان والمجتمع الذي يريدون أن يحكموه، من دون أن يجمعهم معه شعور واحد أو حلم واحد. لذا؛ حرصت تلك القيادة القطبية التي تشربت تلك الأفكار أن على يمضي مسارها نحو حكم مصر، وقد احتلت فيه هذه الأفكار محور تفكيرهم وانعكست بوضوح على سلوكهم السياسي.

هل كان الإخوان مستعدون لحكم مصر؟

حين انخرط الإخوان في الحياة السياسية المصرية بعد عامين من مقتل السادات، بدؤوا من الجامعات والنقابات، ولغياب الحس الاستراتيجي لديهم وظفوا الجامعة لإدارة معارك وهمية حول نصرة قضية فلسطين وحرق العلم الإسرائيلي في رحاب الجامعة، وتجنيد الطلبة والأساتذة ليكونوا خدماً لـ"العجل المقدس"، متمثلا في التنظيم الذي تحول من رافعة لمشروعهم السياسي، إلى هدف في حد ذاته، حتى تحولت معارك الحفاظ عليه إلى الغاية الأولى بالرعاية!

بينما كانت النقابات المهنية فرصة ذهبية تستطيع الجماعة أن تحولها إلى مناشط ومراكز أبحاث ترتقي بالمهن والمهنيين، بالعمل على ملفات التنمية والنهضة من خلال مشروعات تتبناها تلك النقابات، خصوصاً النقابات التي حازت الجماعة فيها ثقة أعضائها وقادت مجالسها التنفيذية، مثل: الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والمعلمين. هل عكفت نقابة الأطباء مثلاً على تطوير رؤى وملفات للنهوض بالقطاع الصحي والارتقاء بمستوى الكادر الطبي تدريباً وتثقيفاً وتأهيلاً؟ وهل قدمت النقابات مبادرات للقطاع الأهلي للنهوض بهذا الملف؟ وهل قدمت نقابة المهندسين رؤى فنية أو مشروعاً قومياً تتبناه مثل النهوض بالتدريب المهني أو رفع كفاءة المهندس والفني من خلال برامج تدريب وتطوير لمصانعنا ومعامل أبحاثنا؟ وهل استفادت من مصانع الهيئة القومية للإنتاج الحربى وقدمت رؤى لتطويرها بما يصب في صالح تحقيق استقلال فني وتكنولوجي يعبد الطريق لاستقلال القرار الوطني؟ وهل قدمت نقابة المحامين مشاريع لدستور جديد أو لتطوير البنية التشريعية المصرية وتحديثها؟ وهل قدمت نقابة المعلمين رؤى لتطوير التعليم المصري؟ للأسف لم يحدث شيء من ذلك، بل تحولت النقابات إلى منابر سياسية تؤدي بعض أدوار الأحزاب التي تصاغرت حتى تحولت إلى شقق خاوية تعلق لافتة باسم الحزب، وجريدة لا يقرؤها أحد.

يوم باركوا التوريث

لم يعمل الإخوان أبداً على إسقاط النظام السابق، بل باركوا التوريث (أن يخلف جمال مبارك أباه)، كما لم يعملوا أبداً على وراثة هذا النظام، وحين وقعت الثورة في 25 يناير تعاملوا معها بتوجس في البداية، ثم حين أيقنوا أن أجهزة الأمن انكسرت تقدموا الصفوف بتنظيمهم الذي حافظوا عليه سنوات من دون أي إعداد للحكم، وحين حلت الاستحقاقات الانتخابية كان من السهل أن يتحللوا من عهد قطعوه على أنفسهم أمام الشعب المصري ويرشحوا واحداً منهم لوراثة حكم مصر، وقد وقع اختيارهم على خيرت الشاطر، الرجل القوي في الجماعة وذراعها المالية، نائب المرشد، وحين استبعد بقرار من اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، كانت الجماعة حاضرة بمرشحها الاحتياطي د. محمد مرسي، النائب البرلماني السابق، زعيم الكتلة الإخوانية في مجلس الشعب عام 2005، رئيس القسم السياسي بالجماعة، الأستاذ الجامعي السابق. كان الرجل اختياراً مثالياً من وجهة نظر المجموعة القطبية التي اختارته؛ فهو عضو ملتزم تنظيمياً، يسمع ويطيع القيادة، ولاؤه قوي للمرشد ولنائبه الرجل القوي خيرت الشاطر، كما أنه صنع مجده وترقيه السريع في التنظيم من طاعته القيادة القطبية التي عينته في مجلس شورى الجماعة العام، ثم عينته عضواً في مكتب الإرشاد من دون أي مسوغات حركية داخل التنظيم، وقفزا على حظوظ من هم أقدم منه في التنظيم، وقد كان الرجل أداة استبعاد العديد من الشخصيات الإصلاحية داخل مكتب الإرشاد.

مواجهة تهمة تخابر الرئيس ضد الدولة

وعندما أعلنت اللجنة العامة للانتخابات فوز محمد مرسي كان التنظيم القطبي حاضراً برجاله ليضعهم في كل مفاصل الدولة، في خطة التمكين التي كان خيرت الشاطر قد أعدها منذ منتصف التسعينيات واكتشفتها أجهزة الأمن المصرية حين داهمت مقر اجتماع مجلس الشورى العام للجماعة عام 1995، وقد طور الشاطر هذه الخطة ووضع رجاله في القصر حول محمد مرسي، حيث مثلت الحلقة الأضيق حول الرئيس محمد مرسي شخصيات تم استدعاؤها من الخارج كشخصية ياسر علي، طبيب الجلدية الذي كان يعمل طبيباً بإحدى مستشفيات السعودية، قبل أن يوضع اسمه ضمن مؤسسي حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة، ثم عضواً بحملة خيرت الشاطر الانتخابية، ثم حملة مرسي بعد خروج الشاطر، ليعين بعدها متحدثاً رسمياً باسم رئاسة الجمهورية في قفز على القواعد المستقرة في رئاسة الجمهورية، باختيار المتحدث الرسمي من بين سفرائنا في الخارجية المصرية.

أما أحمد عبدالعاطي الصيدلاني الذي كان شريك خيرت الشاطر في إحدى شركات الأدوية، فقد عين مديراً لمكتب الرئيس، بينما عين أيمن هدهد، أحد أفراد سكرتارية خيرت الشاطر الخاصة، مستشاراً أمنياً للرئيس من دون أي خبرة في وظيفة بهذه الخطورة، فضلاً عن عدد وافر من أفراد التنظيم الذين غصت بهم ردهات وحجرات القصر الرئاسي، إضافة إلى عدد كبير من المستشارين الذين تم تعيينهم في الوزارات التي يقودها وزراء "إخوان" في الحكومة. أما المنصب الأخطر فقد كان من نصيب عصام الحداد، مستشار الرئيس للشؤون الخارجية، المقرب من خيرت الشاطر، وأداة الاتصال الرئيسية بين خيرت الشاطر ومحمد مرسي، وأداة الاتصال بين التنظيم الدولي للإخوان والرئيس، وقد كان هو وزير الخارجية الفعلي.

قتلة السادات

حين بدا للرئيس مرسي أنه قد تمكن من الحكم تحلل من العهود التي قطعها أمام ممثلي اجتماع "فيرمونت" يوم أن التفت حوله رموز القوى الوطنية قبل إعلان فوزه مساندة له، ليتراجع بعدها عن تعيين شخصية وطنية مستقلة رئيساً للوزراء، وإعادة النظر في تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، وغيرها من المطالب، ليقوم بتعيين د. هشام قنديل، وزير الري الأسبق، رئيساً للوزراء في 24/ 7/ 2012. وبعد شهر واحد من هذا الاجتماع وفي ذكرى احتفالات أكتوبر، احتل قتلة السادات المقاعد الأولى في الاحتفال الذي أقيم بإستاد القاهرة للرئيس بين أنصاره، فبدا الاحتفال كما لو كان احتفاء بالانتصار على الدولة المصرية وجيشها!