عربة العبادي وحصان المالكي

هل كان رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي نوعا من دون كيخوته الذي كان يحارب بحصانه الهزيل طواحين الهواء؟

من المعروف أنه قد جيء به إلى السلطة عام 2006 باتفاق أميركي ــ ايراني وها هو يغادرها بعد دورتي حكم باتفاق هو الآخر أميركي ــ ايراني. وهو ما كان متوقعا وبالأخص بعد فضيحة جيشه الذي سلم ثلث البلاد للجماعات المسلحة التي يقودها تنظيم داعش. كانت مشاهد النازحين العراقيين وحدها كفيلة في أن يشعر الرجل بالحرج السياسي ويقرر الانزواء بعيدا.

ولكن الرجل الغارق في أوهامه كان ينتظر مكافأة على فشله، متعدد المظاهر والاتجاهات عبر سنوات حكمه الكئيبة؟

وكما يبدو فان الرجل العنيد بطريقة تدعو الى السخرية لم يتعلم شيئا من السنوات الثمان التي كان فيها حاكما مطلقا للعراق.

كانت طائفيته قد أعمته عن رؤية معطيات الواقع العراقي الذي كان يتدهور بسبب سياسات العزل والتهميش والاقصاء والابعاد والحرمان التي مارسها ضد جزء كبير من الشعب العراقي.

ربما لأنه أوهم نفسه بأنه سيبقى إلى الأبد مرضيا عنه من قبل تحالف القوتين اللتين سلمتا له العراق، في لحظة خطأ تاريخي فقد كان يعتقد أن اصراره على المضي في مشروع الدولة الشيعية سيصنع شرخا يحول دون اتفاق الولايات المتحدة وايران مرة أخرى في شأن سياستهما في العراق.

توهم الرجل أنه كان قادرا على أن يعزف بدهاء على الوتر الذي تود ايران سماع نغمته. كان استرضاء ايران بالنسبة له يمثل السد الذي يحول بينه وبين أية اشارة اميركية غاضبة. وهو ما كان يمكن أن يكون حقيقة، لولا أن سياساته الطائفية القائمة على التمييز المذهبي قد أدت إلى دخول تنظيم داعش على الخط العراقي. وهو ما لم يكن المالكي مستعدا للتفكير فيه، بسبب انفصاله عن الواقع.

لقد ذهب به خيال حصانه إلى الهاوية، متوهما أن العربة التي كان يجرها ذلك الحصان لا تزال مملوءة بالكنوز التي أنفق الجزء الأكبر منها في شراء الأصوات الانتخابية والضمائر التي محيت وطنيتها وفي غسل أدمغة البسطاء من الناس الذين صار بعضهم ينظر إليه باعتباره مختار العصر وفي التحشيد الطائفي من خلال المسيرات والطقوس الدينية التي كانت تستهلك ثلث السنة الميلادية.

ثمان سنوات من الحكم كانت كفيلة بإنقاذ العراق من محنة خرابه فرط بها المالكي في انشغاله في حروبه الصغيرة التي نجح من خلالها في استعداء الجميع، لا السنة ولا الأكراد وحدهم بل وشرائح مهمة من الشيعة، وهي الشرائح التي اكتشفت في وقت مبكر نهج المالكي التضليلي.

الآن وقد تخلى عنه الجميع، حتى حزبه لا يجد المالكي أمامه سوى الهرب بحصانه، تاركا لحيدر العبادي، الرجل المكلف برئاسة الوزراء عربة تعج بالمشكلات التي يحتاج حلها إلى خبراء عالميين في مختلف الاختصاصات.

فمن تسميم الدولة بأفراد عائلته وأقربائه والمقربين منه من أعضاء حزب الدعوة إلى الحرب من أجل تحرير ما وقع من الاراضي العراقية تحت هيمنة داعش يمتد خيط الفساد الذي كان المالكي قد أستعمله في بناء دولته الوهمية، التي لم يكن يفكر في أنها ستكون حاضنة قانونية للعراقيين.

حتى لحظته الأخيرة فضل المالكي أن يكون خارجا على القانون.

يترك الحكم اليوم بعد أن خسر كل الفرص التي كانت أمامه من أجل أن يكون خروجه آمنا. ولكن فكرة خروجه الآمن لن تكون صحيحة ولن يتمكن العبادي في ظلها أن ينقذ العراق وقد تحول إلى عربة تعج بالمشكلات التي لن تحل إلا عن طريق مساءلة المالكي شخصيا.

لن يواجه العبادي مسؤولية منصبه إلا من خلال افراغ تلك العربة التي ورثها.

وهي مسؤولية ستجعله مضطرا إلى تقديم زعيمه السابق إلى القضاء.