آلية النص الشعري وحتمية الصراع في ديوان 'ليليت' (2 / 2)

يا لبراءةِ الشعراءِ

في النص الثاني نجد الشاعر محمود عبدالصمد زكريا قد تخلى عن عمودية النص والتزم بالسطر الشعري، حيث يقول:

قلبانِ في قلبٍ ..،

وأربع أعينٍ في كل عينْ.

طقسانِ بحريانِ في قطينِ بريينِ ..

المرأة القهوية العينينِ ..

تجئُ بينَ بينْ .. تروحُ بينَ بينْ

تُحب بينَ بينْ .. تُريد بينَ بينْ

وكلُّ من رأى لها

يا ربما .. يرى اثنتينْ؟!

حيث نرى أن البطل قد نجح في دوره الجديد وأوقع بالآخر في الشر من خلال مزاوجة بين آلية النص وحتمية الصراع بينه وبين الآخر، أقصد قهوية العينين ليوقع بها، ويتحقق النصر للشر مرة أخرى من خلال استخدام الشاعر للأفعال والصور الشعرية التي تجسد استسلامها وخضوعها له ومشاركته في الفعل من خلال:

قلبانِ في قلبٍ .

المرأة القهويةُ العينينِ ..

تجيئُ ..

تروحُ ..

تُحبُ ..

تُريدُ .. بينَ بينْ

الأمر الذي يحقق آلية النص بما يخدم حتمية الصراع فيه ليصل بنا الشاعر إلى حقيقة مؤداها توحدهما في الظاهر والباطن حيث يقول:

وكلُّ من رأى لها ..

يرى اثنتينْ.

وبعد أن حقق البطل مراده وأوقع بالمرأة القهوية العينين، نراه يجلس ليحدث نفسه في مونولوج داخلي يعود به إلى الوراء لينظر إلى ما فعل مفاخرا به ليزعم لنفسه البطولة الكاذبة حيث يقول:

قد اقترحَ القصيدةَ دون قافيةٍ ..،

ولا صدرٍ .. ولا عَجُزْ

فهو قد خرج بالفعل عن عمود الشعر واستبدله بالسطر الشعري ضاربا بالمبنى الرصين عرض الحائط لأن حالة الشعر هنا تستدعي ذلك الخروج حيث يصف القصيدة أو الحالة الشعرية الجديدة بأنها:

امرأةٌ .. وناهدةْ ..،

وعمودُها الفقريُّ كالثعبانِ ..،

زجزاجيةُ البنيانِ ..

فوسفوريةُ الألوانِ ..

الأمر الذي يتوافق مع الشكل الجديد للقصيدة ويؤكد على بديهية الفعل حيث يقول:

يا لبراءةِ الشعراءِ ..

أيُّ طريدةٍ يبغونَ ..

إنهم الطرائدْ

لقد دخل منطقة صراع جديدة، فراح يدافع عن قصيدته أقصد المرأة القهوية العينين في ثوبها الجديد .. حيث يقول:

منْ تُراهُ .. وماالذي ..؟

بالمرأةِ القهويةِ العينينِ ..

نعناع الشواطئِ .. ورد نيلِ الدهرِ ..

لوتسةِ الكنانةِ .. حضرموت العمقِ ..

تمر نخيلهِ .. وشقائق النعمانِ ..

زهرة جُلنارِ العشقِ ..

كيفَ تكون راغبةً .. وزاهدةً ..

وطيبةً .. وقاسيةً .. ،

وقاتلةً .. وقاضيةً

قصائدُها بلا عللٍ.

إنها حالة الشر تلك التي دفعته للوقوف أمام الجميع، ليضع أمامهم حيثيات البراءة، فمن يا ترى يقاوم المارد عند خروجه من المصباح، ومن منكمو له طاقة بامتشاق الحسام، حيث يحسم البطل ذلك الصراع لصالحه حيث يقول:

كأنَ الشعرَ عفريتٌ بمصباحٍ ..

بصدرِ الضدِّ ..

تدْعكُهُ .. يفزُّ .. يفيضُ

يُضْحكُها إذا شاءتْ ..

ويُنضجُها بلمستِهِ ..

فمنْ ذا يقتفي أثرَ الدخولِ ..

إلى شعابِ المرأةِ القهويةِ العينينِ ..

والبدويةِ الردفينِ ..

إلى أن يقول:

تلك المرأةُ القهويةُ العينينِ ..

طوطمُ أمةٍ .. وكنوزُ قافلةٍ ..

وهودجُ ناقةٍ حينا ، وناقةُ هودجٍ

فمن الذي اقترحَ الدخولَ ..

إلى مضيقِ المرأةِ القهويةِ العينينِ ..

كى يلهو بفتنتها البراحْ؟!

وهو بهذا التساؤل الأخير يلقي بالأثم على الآخر كما فعل أبليس سابقا حين قال (ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) فما كان دور البطل إلا الوسوسة إلى الآخر. وقد نجح الشاعر في تصوير هذه الحالة ليؤكد من خلالها المزاوجة بين آلية النص من جانب وحتمية الصراع بين الخير والشر من جانب آخر.

ولكن .. لنا في النهاية أن نقف أمام أمرين؛ الأول خاص بالموسيقى حيث جاء النص الأول في بناء شعري عمودي مقفى من بحر البسيط التزم الشاعر في الروي باللام المكسورة في جزالة لفظية وصورة شعرية حققت العناق بين الشكل والمضمون. لكن الشاعر قد شاب ذلك البناء الجميل بعوار في الموسيقى؛ حيث أدخل تفعيلة الكامل (متفاعلن) على البسيط في عدة مواضع، الأمر الذي أدى إلى اختلال البناء. فللوهلة الأولى، نشعر أن شاعرنا كمن يمسك بمعول ليهدم ذلك البناء الجميل كما فعل بيجماليون سابقا مع تمثاله الرائع، لكن هذا الخلل الموسيقي لم يحقق رؤية بيجماليون مع نصه بدليل أن خروج الشاعر عن الشكل العمودي إلى السطر الشعري ملتزما بتفعيلة الكامل (متفاعلن) في النص الثاني قد حقق تلك الرؤية، أما تناثر تفعيلة (متفاعلن) في النص كما في قوله:

طللٌ على طللٍ .. يا طولَ وقفتنا

حتى أغذى جنينَكِ أو بهِ ارتحلي

تأتي وفي خطوِها ثملٌ على ثملِ

وغرستُ فيكِ حياةً صاغها أملي

وكشفتُ عنكِ غطاءَ القهرِ والوَجَلِ

وتراقص الشعرُ، واحمرَّتْ بهِ سُبلي هذه التفعيلة الغريبة عن بحر البسيط، والمتناثرة في أبيات القصيدة كانت بمثابة خربشات في جسم تمثاله الجميل، ولم تحقق رؤية بيجماليون مع نصه. وأرى أن الشاعر لو كان قد استخدم في هذا النص العمودي بحر الكامل التام لكان أكثر توفيقا في تحقيق ذلك، حيث أنه التزم بتفعيلة الكامل (متفاعلن) في النص الثاني والذى خرج فيه عن عمود الشعر ملتزما بالسطر الشعري؛ فأصبح كمن قام بإلقاء قنبلة على مبناه الأثري القديم، والذي يحمل عبق التاريخ بما فيه من جمال وقيمة فنية عالية، فتحطم المبنى وتناثرت شظاياه، فقام الشاعر بجمعها وبناء نصه الجديد منها أي من تلك الشظايا المتناثرة على صفحة القصيدة (أقصد نفس تفاعيل النص العمودي) الأمر الذي يحقق رؤية بيجماليون مع نصه كما سبق أن ذكرت.

الأمر الثاني خاص بالعناوين الداخلية للنصين، وأرى أن الشاعر كان عليه أن يكتفى بالعنوان الرئيسي للقصيدة "المرأة القهوية العينين" ويترك النصين متداخلين دون فصل بينهما لتحقيق تلك الصدمة الانفعالية التي تنقل المتلقي من .. إلى .. يقول الشاعر:

حتى غدا الفنُّ أنثى تشتهي رجلاً ** هي الحقيقةُ ، ليس الحبُّ بالدجَلِ

كوني كما شئتُ؛ هيا تلك لحظتنا ** يا فتنةَ الضدِّ .. ياأفيونةَ الرجلِ

قلبانِ في قلبٍ..،

وأربع أعينٍ في كل عينٍ

طقسانِ بحريانِ في قطينِ برَّيينِ

المرأة القهوية العينينِ ..

تجيئُ بينَ بينْ .. تروحُ بينَ بينْ

تحبُّ بينَ بينْ .. تريدُ بينَ بينْ

وكل من رأى لها ..

ياربما .. يرى اثنتينْ ؟!

وهو بهذه النقلة يحقق بالإضافة إلى الصدمة الانفعالية كما سبق أن ذكر أستاذنا الشاعر الكبير محجوب موسى في نظريته عن الوصل والفصل التفعيلي في علم العروض، وخاصة إذا كان النص العمودي من الكامل التام أو المجزوء.

ويذكر أن هذا الأمر سوف يتيح للشاعر براحا شعريا يسمح لانفعالاته الداخلية بالظهور أمام المتلقي من خلال تيار اللاوعي داخل النص والذي يعتبر إضافة للنص الشعري من جانب، ورؤية شعرية للمبدع من جانب آخر.

وفي قصيدة "هي الأنثى" والتي تعد قلب الديوان، نرى أن الخير قد صال وجال وحقق انتصارا كبيرا على الشر. فالقصيدة نصان متلاحمان في نسيج واحد، يتفقان في الهدف ألا وهو انتصار الخير على الشر، يتدافعان معا في حلبة الصراع ليؤكد كل منهما الآخر كفريق عمل يبغى أن يحقق النصر في النهاية. فالنص الأول يتمثل في المقاطع الأول والثالث والخامس والسادس حيث نجد أن الخير داخل البطل هو الذي يفرض سيطرته، ويفخر بنفسه وبشجاعته وبأسه.

والنص الثاني يتمثل في المقطعين الثاني والرابع والذي يمثل نفسه الملهمة التي تعرف الخير والشر، وتفرق بينهما؛ بتكوين رؤية واضحة أمامه تعينه بها على اتخاذ القرار السليم. والأنثى في هذه القصيدة ما هي إلا رمزا للنفس البشرية، فإن عشت دنياك في الحلال طابت نفسك وطاب الخير لك، وإن عشت دنياك في الحرام خابت نفسك وعم الشر أرجاءها الخاسرة. وتظهر آلية النص من خلال تلاحم النصين وتشابكهما من أجل الوصول إلى تحقيق الهدف ألا وهو انتصار الخير على الشر.

يقول الشاعر في المقطع الأول:

هيَ الأنثى ..

وأول لفظةٍ في الكونِ ..

يَبْنيها ضميرُ الحبِّ للمحْسوسِ ..

ينطقُها لسانُ الشعرِ للمجهولِ ..

مبذولٌ لحضْرتِها غناءُ البرِّ .. والبحرِ ..

ورعشةُ جمرةٍ في الثلجِ ..

رعشةُ ثلجةٍ في الجمرِ ..

من منا يذوقُ حلالَ حامضها ..

ستشعلهُ ..، وتنثرهُ مواعيداً ..

يُهنْدسُ كل فاصلةٍ ..

بموهبةٍ ..، ويُشعلُها

وتظهر آلية النص من خلال قيام النفس الخيرة بسرد مسوغات بقائها ودوامها في قوة تواجه بها الشر لتمحوه وتقضي عليه من خلال بطاقة للتعريف والفخر، لتؤكد على ذاتها والاعتزاز بها من خلال استخدام الشاعر للأفعال التالية:

أولُ لفظةٍ يبنيها ضميرُ الحبِّ ..

ينطقها لسانُ الشعرِ ..

مبذولٌ لحضرتها غناء البرِ والبحرِ ..

رعشةُ جمرٍ في الثلجِ

رعشةُ ثلجةٍ في الجمرِ

وهو في هذا الأمر كمن يتزوج بامرأة ذي جمال وحسب ونسب وجاه، فراح يفاخر بها أمام أقرانه. ومن هنا جاء تساؤله:

من منا يذوقُ حلال حامضها ..

ستشعلهُ وتنثرهُ مواعيداً ..

يهندسُ كل فاصلةٍ ..

بموهبةٍ .. ويشعلها .

ولنا أن نلاحظ في هذه السطور كيف أن الشاعر أثرى دينامية النص من خلال استخدامه للفعل المضارع ليؤكد حقيقة مؤداها أن نهاية الصراع لصالحه.

وفي المقطع الثاني .. نجد أن الشاعر قد تكونت لديه بصيرة بخفايا نفسه ورؤية واضحة يقاوم بها الشر عندما يطرأ عليها، فيؤكد الخير من خلال مظاهر الشر التي يقوم بتوضيحها وعرضها لتكون بمثابة تحذير وأنذار له حتى لايقع في الشر مرة أخرى. يقول الشاعر:

هيَ الأنثى ..

رعُونتها .. انفجار الأثمِ ..

كل خليةٍ تنمو بلا حبٍّ ..،

ولا حلمٍ ستغْوِينا ..،

تحطمُنا ..

وتتركُ في خمائلنا ..

فضاءاتٍ بلا معنى ..

مسافاتٍ من الجدوىْ ..

بلا جدوىْ!

حيث يرسم الشاعر خريطة للشر واضحة المعالم يضعها أمام عينيه لتزجره عندما تأتيه الوساوس. ولنا أن نلاحظ أن آلية النص قد تحققت من خلال الأفعال التالية:

انفجارُ الأثمِ.

تنمو كل خليةٍ بلا حبٍّ ..، ولا حُلمٍ ستغوينا

تُحطمنا

تتركُ فضاءاتٍ بلا معنى .

مسافاتٌ من الجدوى بلا جدوى.

لتؤكد على حسم النتيجة لصالح الخير. وتتكرر الجولات داخل النص لتنتهي في المقطع الأخير من القصيدة بعودة الأنسان إلى فطرته التى فطر الله الناس عليها، ليعود سالما إلى مولاه. يقول الشاعر:

هيَ الأنثى ..

كآخرِ لفظةٍ في الكوِن ألفظها

فتُسْمعُني غناءَ الماءِ ..

هل يبقى بهذا الأدهم البشريِ ..

غيرَ غرائبِ الأنثى؟!

وتظهر آلية النص من خلال:

آخر لفظةٍ ألفظها ..

فتسمعني غناءَ الماءِ

والتي تؤكد فطرة الإنسان التي فطر الله الناس عليها. يقول الله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي) حيث نجد الشاعر بعدما يعود إلى فطرته يتساءل في استفهام إنكاري حيث يقول:

هل يبقى بهذا الأدهمِ البشريِ ..

غيرَ غرائبِ الأنثى؟!

نعم فقد خرجت منه غرائب نفسه الأمارة بالسؤ ولا عودة لها بعد ذلك!

وبعد .. بقي لنا أن نتحدث عن ورقة أخيرة في هذا الديوان ألا وهي "ليليت" والتي تحمل عنوان الديوان تلك الروح الشريرة لأفعى شيطانة كانت تسكن ساق شجرة الصفصاف والتي نقلتها ربة الحب "إينانا" من على شاطئ الفرات إلى بستانها المقدس بعد أن رقت لها لأن العواصف تكاد أن تقتلعها من جذورها، وتعهدتها بالرعاية، إلا أن هذه الأفعى الشريرة "ليليت" لا تزال تسكن ساق شجرة الصفصاف، فتجهز "جلجامش" لقتلها وينجح في طردها حيث تفر مذعورة من عشها.

وقد نجح الشاعر من خلال معادل موضوعي مع تلك الأسطورة أن يصور لنا في قصائد هذا الديوان الصراع الدائم بين الخير والشر، وكيف لا بد للخير أن ينتصر في النهاية كما انتصر جلجامش وهزم ليليت ليبقى الحب والخير على الأرض. لكن هناك إضافة جديدة قام بها الشاعر وتحسب له؛ فهو لم يكتف بالنصر، ولكنه طارد عدوه ورصد حاله بعد الهزيمة ليؤكد انتصاره من جانب، ومن جانب آخر تظل الأفعى أمام ناظريه يحرسها بعينيه حتى لا تقوم مرة أخرى. فمن المعروف أن الأفعى عندما ينكسر نابها تصبح كدودة عادية لا خوف منها، ولكن ينبت لها نابا جديدا كل أربعين يوما، فتقوى وتعاود نشاطها للدغ فريستها من جديد، ولذا أصر الشاعر على رصدها وأن تبقى تحت عينيه على الدوام. وما هي إلا نفسه الأمارة بالسوء والتى قاومها وأصلح من شأنها على مدى قصائد الديوان، فجاء هذا التناص الشعري مع "ليليت" الجديدة في قصيدته "المجهولة" والتي يصور فيها حال "ليليت" في بيتها المحدودب الظهر بغرفة فقيرة على ساحل النهر. يقول الشاعر:

مُبْتلةٌ .. كالحواري القديمة

تمشي إلى آخرِ الليلِ

يرشُقها العابرونَ بكلِّ السهامْ

تأوي إلى غرفةٍ عند ساحل النهرِ ..،

تلضمُ أعضاءها، وتنام

إنها لا تجيدُ سوى الصمتِ

والصمتُ كل الكلامْ

فهذه حال "ليليت الجديدة" إنها تتجرع نفس الكأس التي جرعتها الكثيرين من البشر. وتظهر آلية النص وحتمية الصراع داخل "ليليت الجديدة" من خلال استخدام الشاعر للأفعال الآتية:

تمشي إلي آخرِ الليلِ

يرشقها العابرونَ بكلِ السهامْ

تأوي إلى غرفةٍ عند ساحلِ النهرِ

تلضمُ أعضاءها وتنامْ

إنها لا تجيد سوى الصمتِ

هكذا صور لنا الشاعر صراعا جديدا يحقق به آلية النص ودينامية الحدث، ويؤكد البطل "جلجامش الجديد" على أن عينه لا تزال على عدوه حتى لا تقوم له قائمة. حيث يقول الشاعر:

هناكَ .. على حافةِ النهرِ ..

في بيتِها المحدوْدَبِ الظهرِ بغرفةٍ فقيرة

رأيتُها .. وقد تمددتْ كجثةٍ على الحصيرةْ

نعمْ .. أنا رأيتُها في الغرفةِ العمياءْ

حيث يؤكد حالتها التي آلت إليها، وأصبحت كومة من العظام لا يمكنها الحراك والنزال فلا خوف منها بعد اليوم. حيث يقول:

هناك جنبَ الماءْ

تكوَّمَتْ كحفنةٍ من العظامْ

تقوَّسَتْ كأنها علامةُ استفهامْ

شحوبُها .. بلا ملامحٍ، وأرضُها سماءْ

كأنها .. أنشودةُ الهجاءِ، والرثاءْ

حروفها من صمتْ

عنوانها الذي محتْهُ كفُ الوقتْ

مقدسٌ كالموتْ

ولنا أن نلاحظ أن شاعرنا في هذا المقطع قد قام بتسكين الحرف الأخير بكل سطر شعري لينتهي بحالة سكونية ليخيم السكون والرهبة على مقطع النهاية؛ حيث يتمدد الموت على صفحة القصيدة ليؤكد من خلال ذلك على كون بيت "ليليت الجديدة" مقبرة لها وحسب.

هكذا نجح شاعرنا محمود عبدالصمد زكريا في رصد تجربته الجديدة، بشكل يكشف فيه عن طاقاته الإبداعية الفذة، وإمكاناته وطموحاته الشعرية التي تجاوز آفاق القصيدة، والتي تعبر كما ذكر أستاذنا الناقد الكبير الدكتور محمد زكريا عناني عن موهبة أصيلة، فطرية صقلها الشاعر بالتأمل والتثقيف، وإدامة النظر في أبعاد تجربته الشعرية، حتى امتلك ناصيتها وتألق فيها كما تألقت فيه.

والديوان لا يزال فيه الكثير والكثير، وهذه دعوة للغوص في أعماق هذا العمل ليعثر كل باحث على ما اقتنصه الشاعر في شباك شعره من لؤلؤ ثمين.