انطلاق مجلس حكماء المسلمين في أبوظبي لإطفاء حرائق الأمة

نحو مرجعية إسلامية خالية من المتاجرة بالدين

أطلق ‏مساء السبت الشيخ عبدالله بن بيّه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في أبوظبي عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة، مجلس حكماء المسلمين وذلك بحضور الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.

وجاء إطلاق هذا المشروع في حفل كبير ألقيت فيه كلمات تناولت سماحة الاسلام والحاجة لمواجهة التطرف الديني الذي ينتشر في العالم الاسلامي، ونبذ الدعاة المتطرفين الذين يحرضون على العنف والكراهية بين المسلمين.

وبرزت الحاجة لهذا المشروع الحضاري كما جاء في الورقة الرئيسة التي أعدت لتأسيسه "عندما تلتف الحقائق بالضباب ويلتبس الحق بالباطل ويغيب صوت الحكمة والعقل فلا بد من اللجوء الى العلماء الربانيين الذين يتقون الله ولا يلهثون وراء سلطة أو مال أو منصب أو جاه وهم كثيرون في الأمة الإسلامية والحمد لله ولكن للأسف الشديد غاب صوتهم وسط ضجيج هذه الفتنة التي تعم معظم بلاد العرب والمسلمين بعد أن فشى فيها أشد ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الولوغ في دماء المسلمين وانتهاك حرماتهم وأعراضهم ونهب أموالهم باسم الدين وبأيدي المسلمين أنفسهم من الجهلة المضللين وبمباركة قلة من علماء السوء والضلال ودعاة الفتن".

أهداف المجلس

وقال عبد الفتاح المنيعي، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الاسلامية والإسلام السياسي عموماً في مركز المزماة للدراسات والبحوث ومقره دبي إن "أهمية تأسيس هذا المجلس تنبع من وظائفه التي ستحقق في النهاية عدة أهداف في غاية الأهمية سواء بالنسبة لدولة الإمارات أو الأمة العربية والإسلامية على الصعد الفكرية والسياسية والإستراتيجية"موجزاً آهدافه بمايلي:

أولا: هذا المجلس الذي سيتكون من أبرز علماء الدين المسلمين من كافة مناطق العالم سيشكل في النهاية واحدة من أهم المرجعيات الروحية للمسلمين التي تتميز بالاستقلالية العلمية وعدم تقيدها بتنفيذ سياسة دولة بذاتها من الدول الإسلامية بل تراعي المصلحة العامة لكل فئات الامة الإسلامية ومكوناتها.

ثانيا: هذا المجلس ليس بديلا لمؤسسة الأزهر في مصر لكنه يحظى بدعمه -اشارة الى تواجد فضيلة الامام الأكبر في حفل إطلاقه- أو أي مؤسسة دينية أخرى في العالم العربي والإسلامي ولكنه يتضافر مع جهودها ويقوم بتغطية الفراغ والواجبات التي لايستطيع الأزهر وغيره من المؤسسات الوسطية في الدول الإسلامية القيام بها والتي تعجز أحيانا إما لأسباب مادية أو أسباب سياسية متعلقة بالسياسات الوطنية عن القيام بهذا الدور.

ثالثا: كما أن هذا المجلس سيكون بديلاً طبيعياً لتيارات وحركات التيار السلفي المتطرف الذي لا تلقى أفكاره قبولا من عامة المسلمين خاصة وأنه يطرح نفسه بديلا عن مذاهب أهل السنة والجماعة ويحاول بسط وصايته عليها مع أنها تمثل الغالبية الساحقة من عامة المسلمين.

رابعا: هذا المجلس بما يمثله من ثقل فقهي ومعنوي كبير سيكون من أولى مهامه المساهمة الفكرية الفعالة في مكافحة حركات التطرف والتكفير والتصدي للإسلام السياسي وكل أشكال المتاجرة بالدين من أجل الدنيا.

رابعا: هذا المجلس وعند اكتمال وظيفته سوف يسحب البساط من تحت أقدام الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين والحركات التكفيرية وسيعريها أمام عامة المسلمين ويفضح أهدافها وضحالتها العلمية.

خامسا: كما أن هذا المجلس سيعري بطريقة ضمنية من خلال عمله الوسطي المعتدل ما يسمى باتحاد علماء المسلمين والذي شكله الإخوان المسلمون من عناصر حزبية تحت إشراف رئيس الاتحاد يوسف القرضاوي وبدعم من حكومة قطر لخدمة أهداف الإخوان المسلمين وإصدار الفتاوى الجاهزة الداعمة لوجهة نظرهم مع أن معظم أعضاء هذا الاتحاد ليسوا من العلماء أو الفقهاء بل هم من السياسيين والمثقفين.

سادسا: هذا المجلس سيكون في مقدمة أهدافه نشر روح التسامح والوسطية والإعتدال بين المسلمين وقبول بعضهم بعضا مع تعدد مذاهبهم الثمانية المعترف بها من الازهر الشريف وعدم جواز تكفير أو تضليل من يتشهد الشهادتين وأهل القبلة الواحدة من المسلمين.

سادسا: إن اطلاق هذا المجلس في دولة الإمارات العربية المتحدة يعكس سمعة الامارات الطيبة ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي ويعزز من شأنها وسيساهم بشكل كبير في قوتها الايجابية الناعمة ودورها الحضاري فضلا عن كون هذا المجلس يعتبر امتداداً طبيعياً لرسالة مؤسس الإمارات الشيخ زايد بن سلطان ورؤاه لوحدة الأمة.

وظائف المجلس

توقع المنيعي أن أهم وظيفة لهذا المجلس هو سحب البساط من تحت أقدام الحركات والأحزاب والتنظيمات التي تسيس الإسلام من خلال إعطاء الرأي الشرعي المجمع عليه من علماء الأمة بخصوص قضايا التكفير وإثارة الاضطرابات الداخلية أو إعلان الخلافة كما أعلن تنظيم "الدولة الاسلامية" أخيرا.

وأشار الى أن الدراسات والاستطلاعات الغربية تؤكد أن أكثر من تسعين في المائة من المسلمين هم وسطيون وينبذون التطرف "وبالتالي فإن هذا المجلس سوف يرفع صوت هذه الغالبية المغيبة ويحول دون فرض الفهم المتطرف للإسلام من قبل شراذم قليلة من الجهلة على بقية المسلمين في ظل غياب رأي شرعي قاطع يهتدي به عامة المسلمين".

وبين أن مجلس حكماء المسلمين ليس ضد أحد من المسلمين أو ضد جماعة بعينها أو ضد نظام سياسي أو دولة بعينها ولكنه يمثل حارسا لمقاصد الشريعة الإسلامية العامة التي يحرص عليها كل المسلمين المتمثلة في حفظ الدماء والأعراض والأموال، ودين الأمة وعقلها هو باختصار ضد كل فكر منحرف أو فهم متطرف بعيد عن جوهر الدين الحنيف.

وشرح أن المجلس بصورته المقترحة سيكون أهم آلية من آليات مكافحة الإرهاب على الصعيد الفكري للأمة الإسلامية والذي سيكون منوطا به إنقاذ شباب الأمة من الأفكار المنحرفة التي توظف الدين لاجتذاب هؤلاء الشباب إلى صفوف الحركات الإرهابية.

وقال إن المجلس سيوضح كلما اقتضى الأمر الرأي الشرعي الوسطي في المسائل الطارئة على الأمة سواء على الصعيد الفكري أو الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي حتى يكون الجميع على بينة من رأي الدين الصحيح في هذه القضايا والمسائل وحتى لا تترك الساحة للأدعياء والجهلة لتضليل المسلمين.

وأكد أن لهذا المجلس بما يمتلك من قوة معنوية ونفوذ روحي أن يكون أداة من أدوات المساعي الحميدة لتحقيق الصلح والوساطة بين المتنازعين من المسلمين سواء على الصعيد الداخلي بين القوى المختلفة أو بين الدول الإسلامية لتسوية الخلافات والمنازعات بينها بالطرق السلمية وروح الأخوة كما تقتضي مبادئ الإسلام وسماحته.

وقال المنيعي إن المجلس سيتصدى للقضايا الفكرية والروحية التي تهم الجاليات الإسلامية في دول المهجر ومحاولة إيجاد الحلول الشرعية لمشاكلهم بالتعاون مع الدول الموجودين فيها كذلك فإن من أهم وظائف المجلس هو عرض الدين الإسلامي على الغرب والأديان الأخرى بشكل حضاري والعمل على إزالة الصورة التي يحاول البعض إلصاقها بالإسلام باعتباره دينا يتبنى الإرهاب والظلم الإجتماعي.

كما أن المجلس سيعمل على وضع توصيات تتعلق بنظم التربية والتعليم والشؤون الثقافية بما يتوافق مع روح الإسلام وأخلاقياته وصولا إلى اقتناع المسؤولين في الدول الإسلامية عن هذه القطاعات ومساعدتهم قدر الإمكان في تبادل الخبرات مع الدول الإسلامية الأخرى لبناء مجتمعات إسلامية سليمة.