هل ينجح محور قطر - تركيا - حماس؟

سقط وتلاشى محور الممانعة في سوريا لصالح محور الاعتدال وهي تسمية وتصنيف أميركي، بعد أن اكتسح هذا المحور تعاطف الشعوب العربية والإسلامية من خلال تغذيته على القضية الفلسطينية والمتاجرة بها عام 2006 عندما أدخل لبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل.

ما يدور اليوم بعد تقدم مصر بمبادرة لوقف إطلاق النار من الجانبين مماحكات سياسية واختزال القضية السياسية بل واختزال المقاومة في حماس من أجل إحياء جماعة الإخوان المسلمين الذين انتهى حكمهم في مصر على يد الشعب المصري بعدما دخلوا في مواجهة مع المجتمع والجيش المصري. ولكن بالتحالف مع السعودية تم حظر جماعة الإخوان بعد نهاية حكمهم بسبب إصرارهم على التظاهر من أجل استرداد الشرعية التي انتزعت منهم كما يرون وتم بعد ذلك محاصرة قيادة الإخوان في قطر.

مثل هذا المحور الذي يحاول أن يضعف الموقف الفاعل لمصر إزاء أزمة غزة يعتبر أن ما قامت به مصر توريط وليس مبادرة، وأن ما تقوم به دور يتجه من التطبيع إلى الإخضاع، وأنها تشارك إسرائيل في محاصرة الشعب الفلسطيني. وهناك انتقادات أخرى من مؤسسات المجتمع المدني للمبادرة المصرية، ولكنها لا تهدف لإضعاف الموقف الفاعل لمصر بل تريد ألا تصبح مصر شريكة في حصار الشعب الفلسطيني وأن يكون الدور المصري أكثر فاعلية يصطف إلى جانب الشعب الفلسطيني المقاوم وحماس جزء من المقاومة وجزء من الشعب الفلسطيني وأن حكم الإخوان قد انتهى.

مصر تعتبر القضية الفلسطينية قضية أمن قومي مصري ولا يوجد خيار أمام دعم المقاومة في فلسطين خصوصا في ظل التعنت الإسرائيلي. وتدخل هذا المحور لا يضعف الدور الفاعل لمصر بل يضعف الدور الفاعل للمقاومة الفلسطينية، وهي مقاومة منسقة ونشرت كمائنها، لأنها تدرك أن نتنياهو يفكر في الدخول إلى عمق غزة. ولكن القادة الإسرائيليين يحذرون نتنياهو من التوغل، ويذكرونه بحرب 2008 حين تعثّر الجيش الإسرائيلي بعد 12 يوما من الحرب البرية وبعدما بدأت تتآكل قواته فأضطر إلى الانسحاب بشكل آحادي من دون تنسيق مع المقاومة.

قد يكون التلويح بالتوغل البري هو جزء من استراتيجية قصيرة للضغط على حماس تستهدف عقول قادة حماس خالد مشعل وإسماعيل هنية وبقية عقول قادة حماس.

تريد إسرائيل أن تتوغل في غزة لمسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات بدعوى تطهيرها من الأنفاق العسكرية وقد تجعلها منطقة عازلة لحماية نفسها من الصورايخ التي تطلق على المدن الإسرائيلية.

غزة تقاوم والشعب الفلسطيني بأكمله يقاوم الهمجية الإسرائيلية ومن قتل نحو 20 في المائة من الأطفال ومثل تلك النسبة من النساء ومثلها من العجائز. واعتاد الإسرائيليون أن يتنازل الفلسطينيون وأن يتنازل العرب، لذلك فإن الموقف الأميركي غاضب من إسرائيل نتيجة إفشالها العملية السياسية التي رعتها رغم وقوفها العلني إلى جانب إسرائيل.

إسرائيل بعد حرب 2006 بدأت بالتعتيم الإعلامي والرقابة العسكرية الدقيقة. فإسرائيل منزعجة جدا من حصول المقاومة الفلسطينية على معلومات استخباراتية استخدمتها المقاومة الفلسطينية في قصف الصواريخ على المدن الإسرائيلية، ورغم القبة الحديدية التي تمتلك ثمان منظومات لحماية خمسين مدينة، ولكنها لم تتمكن من التصدي لكافة الصواريخ التي أطلقتها المقاومة والبالغة 1300 صاروخ. اعترضت المنظومة فقط 230 صاروخ، ووصلت الصواريخ إلى حيفا أي لمسافة 161 كيلو مترا، وكانت تعتقد إسرائيل أن المقاومة الفلسطينية أصبحت ضعيفة نتيجة التغيرات الإقليمية وخصوصا بعد تغير الحكم في مصر وأن الحصول على الأسلحة أصبح بالغ الصعوبة.

فأصبحت إسرائيل في حالة هلع رغم تفاوت القوة بين الطرفين لذلك عادة ما تتجه إسرائيل إلى سياسة الأرض المحروقة للتغطية على مثل هذا الهلع الذي يجعلها تحت الحساب من الشعب الإسرائيلي والصهيوني العالمي.

واكتفى بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة بالتنديد لإسرائيل في مواصلتها قتل المدنيين، وندد كذلك بالهجمة البرية، وندد أيضا برفض إسرائيل كل محاولات الأمم المتحدة في وقف عدوانها.

لكن الإشكالية الحقيقية لم يتمكن المجتمع الدولي من توفير حماية دولية للفلسطينيين بسبب الموقف الأميركي والأوربي الذي يقف دائما أمام مثل تلك الحماية رغم التنديدات التي تصدر من قبلهم.

فالمسؤولية تصبح مصرية في المقام الأول حيال القضية الفلسطينية، ومسؤولية عربية ثانيا، وعلى مصر مسؤولية نحو تعزيز موقف المقاومة الفلسطينية خصوصا وأن المعركة مع إسرائيل ليست تقليدية، وتعزيز المقاومة واجب ديني ووطني للدفاع عن الأوطان والمقدسات، لكن يجب أن يكون بعيدا عن حسابات إيرانية وإخوانية خصوصا بعد انهيار حكم الإخوان في مصر الذي أجبر حماس على أن تتجه إلى المصالحة الوطنية التي جردت الإسرائليين من حجتهم بعدم وجود الطرف الذي يفاوضونه.

فأصبحت جماعة الإخوان في عزلة ومحاصرة وغير قادرة على التحرك، فوجدت أزمة غزة سطوة اللحظة الراهنة يمكن ابتزازها، والقشة التي تنقذها من عزلتها ومن ورطتها حتى ولو كانت تصب في إضعاف الدور الفاعل لمصر تجاه القضية الفلسطينية.

والتشكيك في الموقف والدور المصري لمجرد أن جماعة الإخوان يعتبرون النظام الحاكم الحالي في مصر انقلب على شرعيتهم، فقط لتحقيق أغراض وأجندات أخرى خاصة، وبعيدة كل البعد عن خدمة القضية الفلسطينية، لمجرد إحياء محور قد تفكك وبدأ يتلاشى تمددت من خلاله إيران في المنطقة العربية، وخسارة هذا المحور خسارة نفوذها، فهي فرصة تجدها إيران في إعادة إحياء هذا المحور على يد قطر-تركيا حماس لإعادة تثبيت نفوذها المهدد بالتفكك والتلاشي.