ألبانيا... الهلال الديني والنِّسر القومي

الشعار القومي ظهر رسمياً مع الاستقلال من العثمانيين

زادت في السنوات الأخيرة الدراسات الأوروبية حول أسلمة الألبان، ومكانة الإسلام في حيانهم اليومية والثقافية باعتبارهم أكبر شعب مسلم في أوروبا، وخصوصاً فيما يتصل بالعلاقة ين الإسلام والحركة القومية الألبانية، وموقف رجال الدين المسلمين من الفكرة/ الحركة القومية التي كانت تطالب بحكم ذاتي ثم باستقلال عن الدولة العثمانية.

ومن أهم هذه الكتب التي صدرت في السنوات الأخيرة يمكن ذكر كتاب المؤرخ الأمريكي جورج غاوريتش "الهلال والنسر: الحكم العثماني، الإسلام والألبان 1874-1913" الذي صدر في لندن (منشورات تاورس) عام 2006 وصدر في تيرانا بالألبانية عام 2007، وكتاب المؤرخة الفرنسية ناثالي كلير "جذور القومية الألبانية – ولادة أمة بغالبية مسلمة في أوروبا" الذي صدر في باريس عام 2007... إلخ.

الهلال والنسر

هناك مشروعان مختلفان ومتوازيان كان يرتبط بهما مصير الدولة العثمانية: الأول الذي كان يمثله الكاتب الموسوعي شمس الدين سامي فراشري (1850-1904)، والثاني الذي كان يعمل عليه السلطان عبدالحميد الثاني (1876-1909)، والأمر المشترك بينهما هو دور الألبان في الدولة العثمانية.

ومع أن السلطان عبدالحميد قبل أو تظاهر بقبول حكم دستوري ونظام برلماني يقوم على فكرة شمس الدين سامي (الرابطة العثمانية التي تساوي بين المواطنين) فإنه سرعان ما أخذ يتبع سياسة إسلامية تقوم على بعث الخلافة الإسلامية وتوظيفها في الداخل والخارج. وحسب المؤلف فإن فشل أو نجاح هذه السياسة الحميدية كان يرتبط أولا وأخيرا بالألبان للأسباب التي سيبسطها المؤلف في الفصل الثاني: "صحوة قوية".

فمع تولي السلطان عبد الحميد للحكم اندلعت الحرب الروسية العثمانية (1877-1878) التي انتهت بوصول الجيوش الروسية إلى ضواحي العاصمة العثمانية وتخلي إسطنبول عن مناطق واسعة يسكنها الألبان الذين كانوا بغالبيتهم المسلمة يعتبرون أن الدولة العثمانية دولتهم التي توفر لهم الحماية. ومع معاهدة سان ستيفانو 1877 ومعاهدة برلين 1878 تخلّت إسطنبول عن بعض المناطق الألبانية للدول المجاورة (صربيا والجبل الأسود واليونان) مما أثار بقوة المشاعر الألبانية وولّد لأول مرة حركة قومية ألبانية (رابطة بريزرن) في صيف 1878 اتفق فيها الألبان من مسلمين ومسيحيين على المطالبة بضمّ المناطق الألبانية في ولاية واحدة تتمتع بالحكم الذاتي ضمن الدولة العثمانية. ولكن نتيجة للقرارات الدولية لتي طُبّقت بالقوة وجد الألبان المسلمون أنفسهم لأول مرة يحملون السلاح ضد الدولة العثمانية وضد الدول المجاورة للدفاع عن وجودهم.

سياسة إسلامية ونزعة قومية

أراد عبد الحميد في سياسته الجديدة آنذاك الحفاظ على الدولة العثمانية في أوروبا بإتباع سياسة إسلامية يكسب بها الألبان لكي يبعدهم عن الفكرة/ الحركة القومية الألبانية التي كان يعتقد أنها تهدد مصير الدولة العثمانية. وبعبارة أخرى قد انطلق السلطان عبدالحميد من فكرة صحيحة تقول: إن استمرار الدولة العثمانية في أوروبا على الأقل مرتبط باستقرار واندماج الألبان في الدولة العثمانية ولكنه -وهنا يختلف مع شمس الدين سامي- لم ير ذلك بالاعتراف بقوميتهم ومنحهم الحكم الذاتي لتعزيز ولائهم للدولة العثمانية، بل باكتساب زعامتهم التقليدية (الأعيان والوجهاء ورجال الدين... إلخ) بواسطة المنح والعطايا والأوسمة والألقاب والإكثار من توظيف الألبان في الحرس الحميدي ونشر المدارس باللغة العثمانية في المناطق الألبانية لدمج الشبان الألبان في الدولة العثمانية من خلال التعليم والتعيين في الوظائف بإدارة الدولة... إلخ. وعلى عكس القول المأثور (يظنه البعض حديثاً نبوياً) الذي شاع آنذك بين الألبان: "حُبُّ الوطن من الإيمان"، كانت سياسة السلطان عبدالحميد تعيد ترتيب الأولويات في جملة سجّلها بنفسه: "حُبُّ الخليفة يجب أن يأتي في المقام الأول ثم حُبُّ الوطن في المقام الثاني".

كانت السياسة الحميدية (الإسلامية) في المناطق الألبانية التي كانت تشمل أربع ولايات (شكودرا - يانينا - كوسوفا - مناستير)، حيث إن سعي السلطان عبد الحميد لاكتساب الزعامة التقليدية بالمنح والعطايا وتركيزه على إظهار حبه للألبان بتعيين المزيد منهم في حرسه الخاص لم يكف لأجل تجاهل المطالب القومية الألبانية في الاعتراف باللغة الألبانية والسماح للألبان بتعلّمها وتعليمها في المدارس.

الانهيار بتصاعد الفساد

لكن ما يميّز نهاية العهد الحميدي في الولايات ذات الغالبية الألبانية كان تصاعد الفساد في الإدارة العثمانية وصمت الولاة عن ذلك. ويلخص المؤلف ذلك بوصول ساطع الحصري إلى ولاية كوسوفا في 1905 لشغل منصب قائمقام في قضاء رادوفشته، وكشفه الفساد المنتشر في تقرير إلى الوالي المعروف محمود شوكت باشا، الذي أجابه ناصحا: "أعرف أن هناك فاسدين بين الموظفين الذين يحيطون بي ولكني أعمل على تجاهلهم، وهو ما أنصحك به".

كان السلطان عبدالحميد يرى في الألبان ضمانة استمراره واستمرار الدولة العثمانية في أوروبا، حيث إن فشل سياسته "الإسلامية" في احتواء "القومية الألبانية" أدى إلى تحول الألبان عنه بالتدريج والمشاركة الفاعلة في المعارضة (تأسيس جمعية "الاتحاد والترقي" في 1889 برئاسة الألباني إبراهيم تيمو)، التي تصاعدت حتى وصلت إلى ذروتها بالحشد الكبير الذي اجتمع في كوسوفا خلال يوليو/ تموز 1908 وهدّد السطان بإعلان الدستور (أي العودة إلى الرابطة العثمانية لا الخلافة الإسلامية) أو بالسير إلى إسطنبول لاجباره على ذلك، وهو ما انتهى إلى إعلان السلطان لإعادة العمل بالدستور في 24 يوليو/ تموز 1908.

وقد لعب الألبان دورا مهما في إفشال "الثورة المضادة" في 1909 أو الحركة التي سعت إلى التخلص من جمعية الاتحاد والترقي واستعادة السلطان لسلطاته السابقة، مما أدى أخيرا إلى عزله بقرار من البرلمان. ويركز المؤلف هنا على أن ما صعب على السلطان عبدالحميد أن رئيس الوفد الذي أبلغه بـ"قرار الأمة بالعزل" لم يكن سوى الضابط الألباني أسعد توبتاني الذي كان هو وأسرته من أكبر المستفيدين من المنح والعطايا التي كان يقدمها السلطان للزعامة التقليدية الألبانية، وهو بهذا جاءه الآن ليكشف عن فشل هذه السياسة الحميدية مع الألبان.

ومع هذا الفشل لسياسة السلطان عبدالحميد "الإسلامية" في احتواء الألبان؛ ظهرت بقوة النزعة القومية التي أفضت بسرعة إلى إستقلال ألبانيا عن الدولة العثمانية في أواخر 1912 وتثبيت حدودها خلال 1913 لتكون بذلك أول دولة أوروبية بغالبية مسلمة، وأول دولة قومية مسلمة بدستور علماني، وهو ما يخصّص له المؤلف الفصل السادس والأخير من الكتاب: "نحو الاستقلال".