الوعي العلمي .. تحدٍ خلاق يواجه البلاد

صناعة الوعي العلمي مسألة حضارية

إن كلمة الوعي في حد ذاتها هي كلمة بعدية تستلزم أن تسبقها عدة خطوات عملية حتى يصل الوضع حد الإدراك، ومن ثم التنبه الذي يحل بعده الوعي، فالوعي هو حالة من الاستشعار الذاتي الناتج عن تراكم نظري وتجريبي لما يدور في البيئة المحيطة، غير أن الوعي الذاتي للفرد والمجتمع يتنامى وفقاً لالتقاطات الحس الإنساني العادي، التي هي عملية تحددها التقاطها مجسات الوعي والتي هي فطرية في حدها الأدنى، كما هو ماثل في حالات الخطر الداهم ويتبعها رد فعل فورية كحركة انجذاب اليد من لسعة من مكمن خَطِر.

هذه العملية التي تبدو مصممة كفعل آلي، كلها تبين إلى أي مدى أن لدى الكائن الحي تفاعله واستعداده لتوفيق أوضاعه وفقاً للمتغير ومتطلب الوضع الجديد لمردود الحدث، أما مسألة إعادة ترتيبات العقل الجمعي للوعي المجتمعي في نطاق ما هو علمي، فهي عملية تتطلب إعداداً على مستويين الأول الجانب البشري، والثاني بناء مجمع تقني للاستيعاب العلمي، هذه العملية لا تتم بضربة كف بين يوم وليلة، بل تتطلب عملاً جاداً وجهداً يستغرق كثيراً من الزمن، من هنا يتضح أن عملية تهيئة المجتمع للانتقال لمرحلة يصبح فيها مجتمع قادر على أن يتعاطى مع متغيرات العصر وفقاً لمتطلبات التقنية العلمية المتظم هي عملية معقدة تتطلب تضامن وتضافر الجهد الرسمي للدولة والشعبي من قبل المجتمع.

العالم د. فاروق الباز خبير بعثات أبولو العالمية أوضح أن الثقافة العلمية في أوطاننا مازالت متدنية لأسباب كثيرة منها: ارتفاع نسبة الأمية التعليمية في مجتمعاتنا حيث يلاحظ تركيز أغلبية الناس على وسائط التثقيف العلمية السريعة كالراديو والتلفاز وإهمالهم وسائط التثقيف الأساسية في هذا الإطار كالكتب العلمية والمجلات المتخصصة، وكذلك قلة انعقاد الندوات والمحاضرات المركزة على هذا الجانب مقارنة مع الجوانب الثقافية الأخرى، وجهل نسبة كبيرة من الناس بما يحتويه الإنترنت من معلومات علمية قيمة في المجالات المتنوعة وفي غالبية الملفات وبالتالي عدم الاستفادة منه في مجال التثقيف العلمي ذاتياً، كما أن هناك نقصاً في قدرة المدرسين - في المدارس والجامعات – على إيصال الأفكار العلمية إلى الطلاب بشكل سليم وابتعاد بعضهم عن أسلوب الحوار والنقاش المشجع على المعرفة والبحث والتعمق في تحليل المعلومات والمفاهيم، لاسيما عندما لا يجدون الوسائل المساعدة على ذلك من خبراء محترفين أو أدوات لازمة للشرح.

وهكذا نلاحظ من جملة الأسباب عدم تعليم الأجيال وعبر سنين طويلة على أسلوب الاعتماد على الذات في التعليم، إذ لا يكفي أن نحشر المعلومات في عقول الطلاب بل يجب أن نحثهم على البحث عن المعلومات والأفكار الجديدة وعدم الاقتناع مباشرة بكل ما يسمعونه، ولا يكفي أن نحث الطلاب على النجاح في المقررات العلمية بل الحرص على الفهم العميق لمحتوياتها ومحاولة تقريبها والاستفادة منها في الواقع الحياتي قدر الإمكان.

وأضاف الباز: عملية نشر الثقافة العلمية في بلادنا تواجه صعوبات كبيرة مثل قلة المجلات العلمية المتخصصة بنشر الثقافة العلمية مقارنة مع المجلات الشاملة والعامة، وقلة عدد الصفحات المتخصصة لهذه الثقافة في الصحف المتداولة الشاملة مقارنة مع ما يقابلها في مجالات أخرى وأيضاً قلة عدد الباحثين الذين يكتبون في مجال الثقافة العلمية مقارنة مع عدد الصحفيين الذين يكتبون في المجالات الأخرى.

د. نادية زخاري وزيرة البحث العلمي في مصري – سابقا - ترى، أن هناك تحدياً كبيراً يواجه دولنا في كيفية خلق مناخ وأرضية للدخول إلى مرحلة المقدرة لكيفية التعامل مع حضارة التقنية المتقدمة، بعد أن أصبحت التقنية المتقدمة هي العامل الحاسم في تقدم الأمم والشعوب، وشملت تطبيقاتها كل مناحي الحياة، حتى أصبحت من ضرورات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل ومن ضرورات الأمن القومي أيضاً. فما من أمة تعلقت بأساليب العلم ومنهجه إلا وقدر لها أن تتبوأ مكاناً مرموقاً تحت الشمس تفاخر به، وتحقق منه موقعها مستقبلاً يمكنها معه تأمين وضعها الاقتصادي والاجتماعي وبنائها الفكري.

ولكن العلم لا يرقى ولا يتقدم في المجتمع ما لم يكن لدى أفراده وعي مناسب به وبآثاره الاقتصادية والاجتماعية، لذا تعتبر عملية صناعة الوعي العلمي مسألة حضارية تساهم في صياغة عقلية المجتمع صياغة علمية، تجعل منه متابع للعلم ومنجزاته ويصبح جزءاً من اهتماماته، حيث يكون أكثر إدراكاً لدور العلم في حل مشكلاته، وأكثر قدرة على الاستفادة من تلك المنجزات وتوظيفها التوظيف الأمثل.

وأوضحت زخاري: أن مقومات صناعة الوعي العلمي تعتمد على تبسيط العلوم، ودمج الثقافة العلمية في منظومة الثقافة العامة للمجتمع، وتقوية النزعة نحو تقدير العلم ودوره في تاريخ التطور البشري، والاهتمام بتاريخ العلوم مما يسهم في الإبقاء على جذوة العلم متألقة، وإنجازاته حاضرة في العقول والأذهان، ذلك أن ما نعيشه حاضراً هو بوادر ثورة علمية وتقنية يعجز الخيال العلمي عن تصورها، أو تصور تأثيرها في حضارة الإنسان، وفي الصحة والزراعة والصناعة وكل وجوه الحياة على الأرض. فالشعب يجب تنويره وإعلامه بتقنيات وأساليب واتجاهات الأبحاث والدراسات الحديثة.

وأضافت زخاري: لقد أدرك العالم الغربي الأهمية العظيمة لشبكة المعلومات على الإنترنت في مجال الثقافة العلمية، إذ تتيح هذه الوسيلة الفعالة للفرد، التفاعلَ المباشر مع المعلومة وتعدد مصادرها وسهولة الحصول عليها وفتح آفاق الاطلاع الواسعة. وقد أدى ذلك إلى ظهور مجموعة من المواقع على الإنترنت تستخدم العديد من الأدوات المسلية والمشوِّقة لزيادة الثقافة العلمية، مثل التجارب والرحلات والمعارض والألعاب العلمية الإلكترونية.

• معنى تبسيط العلوم

ومن جانبه أوضح د. عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري الأسبق: يُقصد بالثقافة العلمية تبسيط العلوم أي جعلها في متناول عامة الناس من خلال المجلات المتخصصة بهذا النوع من الثقافة أو المجلات والصحف التي تفرد زوايا لهذا المجال، أو عن طريق الإذاعة والتلفاز والمنتديات والجمعيات المهتمة بهذا الموضوع.

وأضاف سلامة: يكثر الحديث عن الثقافة العلمية في هذه الأيام بسبب وجود فارق كبير بين معرفة المتخصص في مجال عمل محدد ومعرفة عامة الناس أو المتخصص في مجالات أخرى للاختصاص المحدد، وبالتالي قلة المعرفة العلمية والوعي العلمي لما يحدث حولنا من اكتشافات بارزة وجهل للكثير من الظواهر والإنجازات العلمية، وذلك بسبب عدم القدرة على نقل هذه المعلومات بشكل مبسط ومقبول، أو بسبب سوء النظام التعليمي واعتماده أسلوب التلقين الذي لا يزال شائعاً. أو بسبب عدم التعوّد على التفكير العلمي الصحيح وعلى حُب الاستطلاع والمعرفة الذاتية.

ونوه سلامة بأن مفهوم الثقافة الشعبية أو تعميم الثقافة العلمية ليس مفهوماً حديثاً في هذا القرن أو في أواخر القرن الماضي، بل يعود لفترة أطول حيث بدأ التداول فيه في فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وينقسم الناس بين مؤيدين للثقافة الشعبية ومعارضين لها، فالمؤيدون يرون ضرورة تعميم الثقافة العلمية على كافة فئات الشعب وبأسهل الطرق، وهم يشددون على أهمية تسهيل العلوم وتبسيطها ويركزون على القيام بذلك من قبل متخصصين، لأن الكثير من الصحفيين غير المتخصصين لا يملكون قدرة على التعبير بشكل سليم عن مواضيع علمية متخصصة، وهذا ما يجعل إمكانية تكرار الأخطاء واضحاً، وخاصة عندما يستخدمون مصطلحات علمية غير مناسبة أو اصطلاحات مترجمة عن لغة وسيطة لا يتقنونها.

أما المعارضون فيرون أن الكتابة في هذا المجال هو عمل مضيع لوقت الباحثين والعلماء الذين يجب أن يقتصر جهدهم على البحث العلمي الحقيقي الهادف والساعي للمزيد من الاكتشافات البارزة التي تخدم البشرية من خلال وضع حلول للمشكلات المعلقة حتى الآن ويكررون القول بأن تبسيط العلوم عمل يؤدي إلى إفقار العلم ويحد من قيمته، إذ تكون العلوم مقدَّرة من خلال فوائدها ـ حسب رأيهم ـ ولهذا يتحدثون لصالح العلوم التطبيقية المفيدة للبشر، كإنتاج مواد وأدوية طبية، أو صناعة بشر كالآليين (روبوتات) تنوب عن الناس الحقيقيين في الكثير من الأعمال، إلى آخر ما هنالك من الأدوات ذات النفع الواسع للناس. (خدمة وكالة الصحافة العربية).