ميلي ستييل: النفي أم التجـذر 'سياسات الاختلاف عند إدوارد سعيد وكورنيل ويست' (2 / 5)

قراءة طباقية

إن سعيد يعادل إصراره على الإبعاد / المنفي بدعوة إلى تبني منظور كلي للثقافات في العالم، والكلمة أو المصطلح الذى يستخدمه لهذه الكلية هو "الجماعة"؛ إنه يبني فكرته للجماعة على مطالب إمبريقية / تجريبية ويوتوبية / إصلاحية.

يهتم المطلب الإمبريقي / التجريبي بالترابطية المتبادلة لتجارب / خبرات العالم: " أن تتجاهل أو بطريقة أخرى تهمل التجربة المتشابكة / المتداخلة للغربيين والشرقيين، فإن الإتكال أو التواقف المتبادل للمناطق الثقافية، التي عاش فيها المستعمِر والمستعمَر معاً، وتصارع كل مع الآخر من خلال الإسقاطات بالإضافة إلى الجغرافيات والسرديات والتواريخ المتنافسة، يمكن أن يفتقد ما يكون جوهرياً بالنسبة للعالم في القرن الماضي".

أما المستوى اليوتوبي / الإصلاحي، فإن سعيد يريد أن يحدث حواراً لا قهرياً / لا قسرياً بين الكيانات المختلفة معرفياً مع خلخلة الحدود. إنه يريد "أن يحول الأوروبي بالإضافة إلى المواطن الأصلي معاً من خلال جماعة لا عدائية جديدة واعية ولا إمبريالية". فـ سعيد يحاول أن يصرفنا عن معرفة الذوات الفعلية أو فهم الذوات الفعلية لنفسها والسرديات اللتبن عرقلا حوار العالم إلى فضاء ما حيث إن أي فهم جديد للثقافة يمكن أن يكون مفتوحاً.

إننا هنا ندرك النمط أو النموذج الهرمنيوطيقي المألوف للانتقاد واليوتوبيا: "إنني أريد، في البداية، أن أتأمل فعليات المناطق الفكرية لكل من الشائع أو العام والمتعارض في خطاب ما بعد إمبريالي، بنوع خاص، فيما يبعث ويشجع من خلال هذا الخطاب على بلاغة وسياسة المسؤولية. وحين استخدام وجهات النظر والمناهج لما قد يطلق عليه أدبًا مقارنًا للإمبريالية، فإنه ينبغي أن أتامل الطرق أو السبل التي من خلالها تصور معاد النظر فيه ومعدل لكيف أن أي اتجاه فكري ما بعد إمبريالي قد يوسع الجماعة المتشابكة أو المتداخلة بين المجتمعات الميتروبوليتانية / المدنية والمستعمرة سلفاً".

إن روايات سعيد الجديدة تحتاج إلى أن يتخاصم مع الفرضية المتجانسة التي تنسجم عادة مع الكلية. ويكتسب البعد اليوتوبي / الإصلاحي عند سعيد مساحة للروايات والأنطولوجيات المتصارعة وغير المتكافئة. فـ سعيد على خلاف هبرماس لا يحاول أن يصلح أو يقوم "الاتصال المعوج" بيوتوبيا الشفافية الاتصالية.

فضلاً عن ذلك، يقاوم انتقاد سعيد أي نتيجة ديالكتيكية / جدلية، لأنه متشكك في السرد نفسه: "إن الروايات هي في أعماق القلب، أو في الواقع، لما يقوله المكتشفون والروائيون حول المناطق الغريبة في العالم، وتصبح، أيضا، طريقة الشعب المستعمَر مستخدَمة لتأكيد كيانهم / هويتهم الخاصة والوجود لتاريخهم الخاص".

إن سعيد يضم الانتقاد واليوتوبيا معًا عن طريق ما يطلق عليه استراتيجية "طباقية" تجمع الروايات التي عزلت السرديات الإمبريالية والقومية: "يجب علينا أن نكون قادرين على أن نفكر من خلال ونؤول معًا التجارب التي تكون متعارضة، كلٌ من جهة برنامجها الخاص ومعدل التطور، وتشكلاتها الداخلية الخاصة بها، وانسجامها الداخلي ونظام العلاقات الخارجية".

لا يقدم سعيد عوناً على كيف "نفكر من خلال" أو نؤلف بين القصص المختلفة، إنما الأمل في أن الروايات الموضوعة جنباً إلى جنب وغير المتكافئة سوف تنتج تغيير سياسي: "إن هدفي التأويلي السياسي (في مفهوم أكثر اتساعاً) يمكن أن يوفق أو يجمع هذه النظرات والتجارب التي تكون مغلقة ايديولوجيًا وثقافيًا على بعضها البعض، والتي تحاول أن تبتعد وتطمس نظرات وتجارب أخرى". إن الطباقية تؤسس وحدة سينكرونية / محايثة بين الروايات غير المتكافئة.

إن سعيد يعرض كيف أن أية قراءة طباقية يمكن أن تفحص عندما يحلل رواية "جين أوستن". إنه يبدأ بوضع قراءته الخاصة: "إن تأويل" جين أوستن "يعتمد على من يقوم بالتأويل، ومتى يقوم به، وليس أقل أهمية، من أين يقوم به". فإذا أظهر أو أبرز النسويون والماركسيون قضايا الجنوسة والطبقة، "فإنهم يهملون أو يتجاهلون التقسيم الجغرافى للعالم".

ويركز سعيد، من خلال قراءته لـ Mansfield Park، على الاتصال بين حياة عائلة "بيرترام" في إنجلترا والضيعة في "أنتيجيوا" التي تسحب منها دخلها المعيشي. «ترى "أوستن" ما تفعله أو ما تقوم به "فانى" [بطلة الرواية] بوصفه تحرك محلي أو على قدر صغير في المكان الذي يتوازى أو يتماثل مع الأكبر، أي التحركات الاستعمارية الأكثر انفتاحًا للسير "توماس"، معلمها الخاص، ذلك الرجل الذي يمتلك الضيعة التي ورثتها".

ولأننا لم نسمع السير "توماس" يعلق على "أنتيجيوا"، فإن سعيد يستدعي جان ستيوارت مل ليعطينا شعورًا من أجل استخدام "أوستن" لـ "أنتيجيوا": "هذه [ممتلكاتنا البعيدة عن المركز] يمكن بطريقة صعبة أن يتم النظر إليها بوصفها دول أو أقطار، ولكن الأكثر احتمالاً بوصفها ضيعات زراعية وصناعية تختص بجماعة أكبر".

يعزل سعيد، من ثم، لحظة السكوت أو الطمس في الرواية عندما يتم سؤال السير "توماس" عن تجارة العبيد: "لكي نقرأ بطريقة دقيقة للغاية أعمالاً مثل Mansfield Park، فإنه يجب علينا أن نراها في الأغلب أو على الجملة مقاومة أو إلغاء لذلك الوضع الآخر، الذي لا يمكن لتضمنها الأساسي، وصدقها التاريخي، وإيحائيتها التنبوئية أن تخفيه تماماً. إن عاجلاً أو آجلاً لم يعد هناك سكوت أو طمس ميت عندما يتم الكلام عن العبودية".

ويضع سعيد من خلال الأسلوب الطباقي هذا السكوت أو الطمس لأنشطة السير "توماس" في المستعمرة جنباً إلى جنب مع الغنى النصي لظهوره في Mansfield Park :

"إننا يمكن أن نؤول، من منظورنا الآخر، قوة السير "توماس" في أن يأتى ويذهب في "أنتيجيوا" وكأنها منحدرة من التجربة القومية الصامتة للكيان والسلوك و"الرسامة" الفردية، مقوننة أو ممثلة بهذه السخرية والذوق في Mansfield Park. إن المهمة يمكن أن لا تفقد معنى تاريخيا حقيقيا أولاً، ولا متعة كاملة أو استحسانا كاملا ثانيًا، الكل في الوقت نفسه يرى الاثنين معًا".

إن ما يكون مهمًا، مثل اكتشاف سعيد للرواية الإمبريالية، هو أيضًا قراءته التي تتوسل بالأسئلة. ماذا تعني المتعة الكاملة أو الاستحسان الكامل هنا؟ يبدو أنها نوع ما من الإدراك الاستاطيقي الذي يكون متعارضًا مع إدعاء المعرفة المقدم من قبل القصة التاريخية. فـ سعيد يرفض أى عزل ساذج لعمل "أوستن": «نعم، إن "أوستن" تنتمى إلى مجتمع يملك العبيد، ولكن هل نتخلص أو ننبذ، بناء على ذلك، رواياتها بوصفها ممارسات مبتذلة للغاية؟ مطلقًا، إنى أحتج. ولكن أي قيم من عمل "أوستن" يمكن استعادتها بالنسبة لمشروع سعيد؟ إننا لم نكتشفها مطلقًا. فطباقية سعيد ليس لديها بعد استعادي.

إن الفشل أو الإخفاق لاستعادة أو لاسترداد أية تقاليد يجرد الجماعة اللامتخاصمة / المتصالحة من الوجود الفعلي، ويجرد الأهداف النقدية لـ سعيد من أي موقع جدلي في المناقشات أو الجدالات المعاصرة. إن سعيد بالطبع، واضح في وضيعته الإمبريقية / التجريبية – ذلك يعني نشأته في فلسطين ومصر وأميركا – ولكنه تكلّم قليلاً عن كيف يضع أو يموقع فكره في أية تقاليد.

إن الجماعة هي نموذج متسق لا يكون متصلاً أو مرتبطًا بأية تقاليد أخلاقية / سياسية. ولقد استخدمت هذا المصطلح الكانتي للتأكيد على كيف أن "جماعة" سعيد مستأصلة أو منقطعة من التاريخ والتقاليد.

إن انقطاع الجماعة متيسر عن طريق الموقع أو الوضع لانتقاده، الذي يمارسه سعيد على المستوى الفلسفي الشارح أو الميتافلسفي، والمفردات التي يستخدمها سعيد تظل عند المستوى النظري الشارح أو الميتانظري. فـ "الإمبريالية"، و"المقاومة"، و"الطباقية"، هي مصطلحات تحلل جميع أشكال الثقافة ما عدا الكيان / الهوية والاختلاف: أي أن الثقافة هي أحد المحددات للذات التي يحتاج "الوعي النقدي" أن ينتبه إليها أو يعتني بها، ولكن يتم تعريفها بطريقة سلبية في النهاية بوصفها شرك أو أحبولة.

يعترف سعيد أو يقرر بأنه متشكك بطريقة عميقة في المفهوم (أي مفهوم الثقافة): "بالنسبة لي، وعلى الرغم من ذلك ربما أوظفه بطريقة قوية جداً، الثقافة يتم استخدامها لا بوصفها مصطلحاً تعاونيًا واشتراكيًا، ولكن بالأحرى بوصفها مصطلحًا للإبعاد والإقصاء بطريقة جوهرية".

ويقول سعيد في "الثقافة والإمبريالية": "الثقافة، كما طرح ماثيو أرنولد، هي مفهوم يشتمل على عنصر تطهيري وتهذيبي، إنها مستودع كل مجتمع للأفضل الذي يتم التعرف عليه، والتفكير فيه".

إن مفهوم الثقافة، بالنسبة لـ سعيد، "يعد مصدرًا للكيان / الهوية، علاوة على ذلك مصدرًا تنازعيًا أو خلافيًا"، أي مفهوم يقود الثقافة إلى أن تفصل أو تعزل نفسها من "العالم اليومي".

إن مناقشة سعيد لمفهوم التقاليد تكون متشابهة مع مناقشته لمفهوم الثقافة، لأنه يتأمله، فقط، بوصفه نسيجًا إيديولوجيًا مكرسًا لإنتاج خُلُوص قومي أو أخلاقي ، لا بوصفه مصدرًا للمعقولية كما يراها جدامير وألاسدير ماك إنتير وكورنيل ويست .

إن سعيد مهتم جدًا بأن أي تشكل أخلاقي / سياسي، إن كان على المستوى الفردي أو الجماعي، يصبح مقاطعة محددة ماديًا لا يمنحه سعيد حيزًا نظريًا أو سرديًا وفقا للتشييد الإيجابي للكيان / الهوية، متضمنًا الكيان / الهوية لجماعته المثالية. ولكن تصور ما عن الكيان / الهوية لا يمكن الانفلات منه، وكما يقول تشارلز تيلور: "أن تعرف من تكون يمكن أن تكون متكيفًا فى حيز أو مكان أخلاقي، أي حيز أو مكان ينشأ فيه أسئلة حول ماذا يكون الخير أو الشر، وما تقدمه أو تفعله يكون جديرًا بالاحترام أو لا يكون، وما لديه معنى وأهمية بالنسبة لك وما يكون مبتذلاً تافهًا وثانويًا".

إن قراءات سعيد لـ فانون و س. ل. ر. جيمس لا توضح هذه الصورة كثيرًا جدًا. فسعيديثبت ويحافظ على هذين المفكرين، لأنهما يتبنيان وجهة نظر طباقية "للتاريخ الذي يرى أن التجارب الغربية وغير الغربية تنتمي إليهما (أي الغربي وغير الغربي) معًا، لأن تلك التجارب متصلة بالإمبريالية، ولأن فانون وجيمس يوظفان "الطاقة الهائمة والمهاجرة واللاسردية"، وعلى الرغم من ذلك، فإن مناقشة سعيد لـ جيمس لا تقدم التحليل النظري الشارح أو الميتانظري للعناصر المختلفة في فكر جيمس، وبدلاً من ذلك فإن سعيد يمدحه ويثني عليه فقط من أجل قدرته على أن يضع جنبًا إلى جنب التجارب المتعارضة أو المتناقضة، وهذا الثناء بكامله هزيل جدًا. إن قيمة "الطباقية" يجب أن تكون متصلة، في المقام الأول، بالقيم والروايات التي ترشد أو تقود التأويل السياسي للثقافة.

د. مصطفى بيومى عبدالسلام ـ أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا- مصر

هذه ترجمة للفصل الخامس من كتاب :

Meile Steele , Critical Confrontation : Literary Theories in Dialogue Columbia, South Carolina : University of South Carolina Press , 1997.