حماس... ومسؤولية الشر ضد شعبها

بعقيدة إخوانية طلب التدخل من الجيش المصري لا من الرئاسة

أول ملاحظة على كلام السيد خالد مشعل قبل أيام قوله: «إننا ننتظر نخوة الجيش المصرى»! لاحِظ أنه لم يقل إنهم ينتظرون تدخل الرئاسة المصرية، ولا الدبلوماسية المصرية، ولا حتى الشعب المصرى فى عمومه! فماذا عساه يعنى إلا أن يُعلِن الجيش المصرى حرباً ضد إسرائيل؟ ناهيك عما يعنيه استنهاضه للنخوة من معنى أن الجيش المصرى متخاذل، أو متقاعس أو متغافِل أو مُغيَّب، وإلا لما حَثّه على النخوة!

الملاحظة الثانية، جاءت فى قوله إن نيتانياهو «أفشلَ جهودَ وزيرِ الخارجية الأمريكى جون كيرى»! فهل هو يرى حقاً أن الوزير الأمريكى كان مخلصاً وجاداً وفاعلاً فى جهوده لحل القضية الفلسطينية وأن مسعاه كان على وشك إنجاز ما لم يتحقق فى التاريخ، لولا ما فعله نيتانياهو؟ كما أن كلامه يستبعد حقيقة واضحة هى أن نيتانياهو يُعبِّر عن عموم الإسرائيليين فى العدوان البربرى الأخير، بل إنه يُتهَم بالملاينة مِمَن هم أكثر منه تطرفاً.

الملاحظة الثالثة، من جملة ملاحظات كثيرة لايمكن إجمالها فى مقال واحد، عن دفاعه عن اغتيال الإسرائيليين المدنيين الثلاثة، بقوله: «إن هذا بعضُ الغضبِ الفلسطينى، وبُورِك هذا الغضب، وبُورِك كلُ من يحارب المستوطنين القتلة».

هذا خطاب تبدو عليه السذاجة، بل هو وسيلة إيضاح للسذاجة التى يتدرب كل سياسى على ألا يقع فيها، لأنه يوحى بأن قائله يفترِض فى نفسه ذكاءً فذاً يستطيع به أن يخدع الجميع وأن يُحرِّك الكون عبر الأثير لتسير الأمور كيفما يريد هو لها أن تسير، وأن تتحقق له كل هذه الأوهام بينما هو يتنعم فى جناحه الفاخر فى الفندق الفخم فى الدوحة آمناً من القصف الهمجى الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى البائس: هو يتوهم مثلاً أن بمقدوره بهذا اللغو أن يُحدِث انقلاباً فى الجيش المصرى ضد قيادته السياسية العليا التى يتجاهلها فى الخطاب ويقفز من فوقها إلى توجيه ندائه إلى الجيش مباشرة، حتى دون أن يُجهد نفسه فى تبرئة تنظيمه من الجرائم المنسوبة لهم ضد الجيش المصرى.

كما أنه يتوهم أنه يستطيع أن يُوقِع بين وزير الخارجية الأمريكى وبين نيتانياهو الذى هو أقوى حليف استراتيجى لأمريكا!

ولكن هذه السذاجة لا تعفيه من مسئولية الشرّ ضد شعبه، لأنه بات من المتيقن منه أن النظام الإسرائيلى العنصرى الإجرامى يتحين الفرص التى يمكن أن يستغلها فى التغطية على جرائمه الهمجية ضد الشعب الفلسطينى ليعانى المزيد من الإحساس بالعجز والمهانة، ولإرضاء أكثر اليهود تطرفاً، ولإثبات أن إسرائيل لا يردعها شىء عن إلحاق أكبر الضرر بالشعب البائس الذى هو المضار الوحيد فى كل عدوان بربرى، وأن يُستفاد من كل هذه الأجواء، التى صار لها الأولوية، فى الاستمرار فى عمليات الاستيطان المخطط لها سلفاً! لدرجة أن البعض صار يؤكد أن إسرائيل أصبحت تتمنى أن يقع أى مساس بمواطنيها المدنيين!

وانظر إلى ما فعلته إسرائيل من إجراءات شكلية يمكنها بها أن تواجه العالم بعد صياغتها فى خطاب لا يخلو من حجة، فى دليل آخر على ديناميكيتها وقدرتها على استغلال المواقف، حتى من جرائم متطرفيها، فبعد أن جاء أول انتقام على مقتل المدنيين الإسرائيليين الثلاثة من مستوطنيْن متطرفيْن من أصحاب السوابق فى الإرهاب ضد الشعب الفلسطينى، واللذين اختطفا طفلاً فلسطينياً وقاما بتعذيبه ثم أحرقاه حياً! فقد أعلنت حكومة نيتانياهو فوراً أنها قامت بإلقاء القبض على هذيْن المجرميْن من مواطنيها وأنها بدأت التحقيق معهما وأنها ستحرّك دعوى قضائية ضدهما!

قارِن هذا بالكلام عن مباركة السيد مشعل لقتل المدنيين! وعما أذيع عن هروب الفلسطينييْن قاتلَىْ الإسرائيليين الثلاثة من الضفة إلى غزة حيث تمكنت حماس من تهريبهما إلى الخارج!

يثير كلام السيد مشعل أسئلة مهمة ينبغى أن تجد لها إجابات، حتى مع التنحية الكاملة لمناقشة مبدأ قتل المدنيين الإسرائيليين، وهو ما يأتى كلام السيد مشعل ليؤكد أن البعض لا يزال يراه مجدياً: هل المبادرة باغتيال المستوطنين الإسرائيليين فى هذه الملابسات تكون فى صالح المصالحة الفلسطينية أم أنها تشق الصف وتزيد من الفرقة؟ وهل يمكن أن يكون لها أى نفع للشعب الفلسطينى؟

ولماذا أعطت حماس نفسها إجازة من هذه الأفعال طوال فترة حكم جماعة الإخوان فى مصر؟ بل إنها كانت تقوم آنذاك باعتقال التنظيمات الأخرى التى تخرق الهدنة مع إسرائيل؟ هل يجوز لحماس أن تخطط لعملية الاغتيال، أو على الأقل تباركها، ثم تفرض الحماية على المسئولين عن الاغتيال، وتهربهم للخارج، ثم، عندما يحدث العدوان الإسرائيلى، الذى هو متوقع مئة بالمئة، تستنهض نخوة الجيش المصرى للتدخل دون أن تكترث بإشراكه فى كل ما سبق؟

وهل يمكن تخطئة من يشير بأصابع الاتهام إلى حماس أنها لم تكترث بما سيلحق بالشعب الفلسطينى من جراء عمليات الانتقام البربرية التى كان من المؤكد أن إسرائيل سوف تقترفها؟

وهل يمكن اعتبار أحد مخطئاً إذا رأى فى ذلك تعمداً لإحراج مصر؟ وهل يمكن أن يكون هذا بمعزل عن حلقات الحصار التى تتعرض لها الثورة المصرية منذ الإطاحة بحكم الإخوان، والتى تتجلى آخرها فيما يُنشر هذه الأيام عن الضغط على الدول العربية التى تساند مصر لما سيعود عليها من فائدة فى التصدى للخطر المشترك الذى تمثله جماعة الإخوان؟

لقد تبين أنه من المستحيل لمثل هذه القيادات أن تستعيد للشعب الفلسطينى حقوقه!

أحمد عبد التواب

كاتب مصري