تنظيم ‬داعش ‬ودولة ‬الخلافة ‬داعش

وجهان لعملة واحدة مع اختلاف

«داعش»‎ ‬هو ‬الرمز ‬المختصر ‬لتنظيم «‬الدولة ‬الإسلامية ‬في ‬العراق ‬والشام» ‬الذي ‬أعلنت ‬عن ‬تغييره ‬إلى «‬الدولة ‬الإسلامية» ‬أو «‬الخلافة» ‬بعدما ‬أعلنت ‬زعيمها ‬أبوبكر ‬البغدادي «أميراً» ‬للمسلمين ‬جميعاً ‬وخروجه ‬علناً ‬في ‬خطبة ‬الجمعة ‬بمدينة ‬الموصل ‬العراقية ‬التي ‬دخلها ‬التنظيم ‬قبل ‬أسابيع ‬في ‬تحالفٍ ‬عشائري ‬نقشبندي ‬بعثي.

هذا‎ ‬التنظيم ‬هو ‬تنظيمٌ ‬خرج ‬من ‬رحم ‬تنظيم «‬القاعدة» ‬وفرعها ‬بالعراق ‬تحديداً، ‬ذلك ‬الفرع ‬الذي ‬كان ‬يقوده ‬أبو ‬مصعب ‬الزرقاوي ‬وقد ‬تطوّرت ‬«داعش» ‬بعد ‬مقتل ‬الزرقاوي ‬في ‬العراق ‬وتوسعت ‬بعد ‬تفاقم ‬الأزمة ‬السورية ‬وبدأت ‬بفض ‬الاشتباك ‬مع ‬تنظيم ‬«القاعدة» ‬بعدما ‬أحس ‬زعيمها ‬بقوةٍ ‬ذاتيةٍ ‬ولم ‬يعد ‬بحاجةٍ ‬لغطاءٍ ‬يضفي ‬الشرعية ‬من ‬زعيم ‬«القاعدة» ‬أيمن ‬الظواهري.

ثمة‎ ‬مساران ‬ينبغي ‬النظر ‬لهما ‬بالوقت نفسه، ‬الأول ‬هو ‬المسار ‬المفاهيمي ‬لـ«داعش»، ‬وهي ‬مفاهيم «‬السلفية ‬الجهادية» ‬الرئيسة ‬التي ‬تقف ‬على ‬رأسها ‬مفاهيم «‬التكفير» ‬و«‬الجهاد» ‬بمعناه ‬المؤدلج ‬الحديث ‬الذي ‬يعني ‬قتل ‬المدنيين ‬وتفجير ‬الآمنين ‬وارتكاب ‬جرائم ‬الحرب ‬ضمن ‬مفهوم «‬التوحش» ‬مع ‬مفاهيم ‬الإسلام ‬السياسي ‬التقليدية ‬كـ«الحاكمية» ‬و«الجاهلية» ‬وبقية ‬المنظومة ‬المفاهيمية ‬للإسلام ‬السياسي ‬مع ‬مفاهيم ‬«السلفية ‬الجهادية».

الثاني، ‎هو ‬المسار ‬العملي ‬أو ‬الهدف ‬الكبير ‬الذي ‬تسعى ‬إليه، ‬فـ«داعش» ‬تختلف ‬عن ‬تنظيم «‬القاعدة» ‬في ‬أنها ‬سعت ‬وبإصرارٍ ‬وتخطيطٍ ‬إلى ‬إنشاء «‬دولةٍ» ‬لا ‬مجرد ‬التنكيل ‬وإثارة ‬الرعب ‬الذي ‬كانت ‬تتبناه ‬«القاعدة»، ‬وهي ‬بذلك ‬أقرب ‬لتجربة ‬حركة «‬طالبان» ‬الأفغانية.

ما تجتمع عليه الحركتان

إذن ‬تجتمع ‬«داعش» ‬مع ‬حركة ‬«طالبان» ‬الأفغانية ‬في ‬غاية ‬إنشاء ‬دولةٍ ‬لها ‬مؤسساتها ‬القائمة ‬وتختلف ‬عنها ‬في ‬أمرين: ‬لا ‬تكتفي ‬«داعش» ‬بدولةٍ ‬ذات ‬حدودٍ ‬سياسيةٍ ‬بل ‬تسعى ‬لخلافةٍ ‬إسلاميةٍ ‬تخوض ‬قتالاً ‬مستمراً ‬لفرض ‬سيطرتها ‬على ‬أوسع ‬مساحةٍ ‬من ‬الدول ‬العربية ‬والإسلامية ‬وبقية ‬دول ‬العالم، ‬كما ‬لا ‬تسعى ‬«داعش» ‬للحصول ‬على ‬اعترافٍ ‬دوليٍ ‬بدولتها ‬كما ‬سعت «‬طالبان» ‬من ‬قبل.

بإعلان‎ «‬داعش» ‬نفسها ‬دولة ‬الخلافة ‬أثارت ‬كثيراً ‬من ‬الارتباك ‬لدى ‬جماعات ‬ورموز ‬الإسلام ‬السياسي ‬أولئك ‬الذين ‬دارت ‬منظومتهم ‬الفكرية ‬والدعوية ‬وجماعاتهم ‬وتنظيماتهم ‬حول «‬استعادة ‬الخلافة» ‬وجاء ‬ذلك ‬الارتباك ‬بسبب ‬اختطاف ‬«داعش» ‬لفكرة «‬الخلافة» ‬منهم، ‬وهم ‬لا ‬يرون ‬أحداً ‬أحقّ ‬بها ‬منهم، ‬ومن ‬هنا ‬يمكن ‬قراءة ‬مواقفهم ‬وتصريحاتهم ‬الرافضة ‬لها.

أفضل‎ ‬مثالٍ ‬على ‬ذلك ‬هو ‬البيان ‬الذي ‬أصدره ‬ما ‬يسمى ‬بـ«الاتحاد ‬العالمي ‬لعلماء ‬المسلمين» ‬الذي ‬يقوده ‬الإخواني ‬العتيد ‬يوسف ‬القرضاوي ‬حيث ‬جاء ‬في ‬البيان: «‬كلنا ‬نحلم ‬بالخلافة ‬الإسلامية ‬على ‬منهاج ‬النبوة، ‬ونتمنى ‬من ‬أعماق ‬قلوبنا ‬أن ‬تقوم ‬اليوم ‬قبل ‬الغد، ‬ولكن ‬الإسلام ‬علمنا، ‬ومدرسة ‬الحياة ‬علمتنا: ‬أن ‬المشروعات ‬الكبرى ‬لابد ‬لها ‬من ‬تفكير ‬طويل، ‬وإعداد ‬ثقيل» ‬وحذر ‬من ‬أن ‬تلك ‬الخطوة «‬تفتح ‬باب ‬الفوضى ‬أمام ‬تنظيمات ‬أو ‬حتى ‬دول ‬أن ‬تنصب ‬نفسها ‬على ‬أمر ‬إسلامي ‬جلل ‬كالخلافة ‬الإسلامية، ‬من ‬غير ‬إعداد ‬ولا ‬ترتيب ‬ولا ‬تنسيق»‬.

إذن‎ ‬وكما ‬هو ‬واضحٌ ‬من ‬هذا ‬البيان ‬ومن ‬تصريحاتٍ ‬عديدةٍ ‬تنتمي ‬للإسلام ‬السياسي ‬أن ‬الخلاف ‬مع «‬داعش» ‬هو ‬خلافٌ ‬في ‬التفاصيل ‬والمكاسب ‬وليس ‬في ‬المبدأ، ‬وأنهم ‬يريدون ‬لتلك ‬الخلافة ‬أن ‬تخرج ‬منهم ‬لا ‬من ‬تنظيماتٍ ‬أصغر ‬وإن ‬كانت ‬تشكل ‬امتداداً ‬لتفكيرهم.

الداعم‎ ‬الأهم ‬لـ«داعش» ‬هي ‬إيران ‬ونظام ‬بشّار ‬الأسد ‬وحكومة ‬نوري ‬المالكي ‬حين ‬كان ‬يعتقد ‬أن ‬فتح ‬الحدود ‬العراقية ‬السورية ‬له ‬مسارٌ ‬واحدٌ ‬هو ‬شقّ ‬صفوف ‬المعارضة ‬السورية، ‬وقد ‬كان ‬النظام ‬السوري ‬ولا ‬يزال ‬لا ‬يقصف ‬أي ‬مواقع ‬لتنظيم «‬داعش» ‬بل ‬إنه ‬يساندها ‬في ‬أي ‬معارك ‬تخوضها ‬مع ‬فصائل ‬الجيش ‬السوري ‬الحرّ، ‬ولكن ‬هذا ‬لا ‬ينفي ‬أن ‬ثمة ‬جماعاتٍ ‬ورموزاً ‬للسلفية ‬السياسية ‬في ‬الدول ‬العربية ‬تقدّم ‬دعماً ‬مالياً ‬لـ«داعش» ‬بعضها ‬معلنٌ ‬كما ‬يجري ‬في ‬الكويت ‬وبعضها ‬يتمّ ‬بنفس ‬الطرق ‬التي ‬كان ‬يتمّ ‬بها ‬تمرير ‬الدعم ‬لتنظيم ‬«القاعدة» ‬عبر ‬استغلال ‬التبرعات ‬وأموال ‬الأوقاف ‬ونحوها.

طبيعة داعش

تنظيم‎ «‬داعش» ‬يتكون ‬من ‬مقاتلين ‬ينتمون ‬للعديد ‬من ‬الجنسيات ‬العربية ‬والأوروبية ‬ومن ‬دول ‬كثيرةٍ ‬في ‬العالم ‬جمعهم ‬حلم ‬العودة ‬إلى ‬الماضي ‬بل ‬استحضار ‬الماضي ‬ليحكم ‬الواقع، ‬باعتبار ‬أن ‬ذلك ‬الماضي ‬هو ‬النموذج ‬الكامل ‬الذي ‬لا ‬يوجد ‬طريق ‬غيره ‬لتمثل ‬الإسلام ‬في ‬الواقع، ‬وعلى ‬رغم ‬أن ‬الإسلام ‬لم ‬يأتِ ‬بأي ‬نموذجٍ ‬سياسيٍ ‬لطريقة ‬الحكم ‬بدليل ‬اختلاف ‬الصحابة ‬في ‬السقيفة ‬وتعدد ‬أشكال ‬الحكم ‬في ‬التاريخ ‬الإسلامي ‬وتعدد ‬أشكال ‬بناء ‬المشروعية ‬السياسية ‬والصراعات ‬الدامية ‬للوصول ‬إلى ‬السلطة ‬إلا ‬أن ‬هذه ‬الجماعات ‬بدءاً ‬من ‬جماعة «‬الإخوان ‬المسلمين» ‬وصولاً ‬إلى «‬داعش» ‬ظلت ‬تؤكد ‬دائماً ‬أنه ‬لا ‬يوجد ‬لطبيعة ‬الدولة ‬والحكم ‬في ‬الإسلام ‬إلا ‬نموذج ‬الخلافة.

بناء‎ ‬على ‬أيديولوجية «‬القاعدة» ‬المعروفة ‬التي ‬تتحدث ‬عن ‬أولوية ‬قتال ‬العدو ‬القريب ‬قبل ‬العدو ‬البعيد ‬فإن ‬«داعش» ‬لا ‬تقتل ‬وتقاتل ‬إلا ‬المسلمين ‬السُّنة ‬تحديداً ‬فهي ‬تستهدفهم ‬أصالةً ‬في ‬العراق ‬وفي ‬سوريا، ‬كما ‬أنّ ‬كل ‬شعاراتها ‬وعقيدتها ‬وتصريحات ‬قياداتها ‬وتسجيلات ‬عناصرها ‬إنما ‬تستهدف ‬الدول ‬العربية ‬السُّنية ‬وعلى ‬رأسها ‬المملكة ‬العربية ‬السعودية.

حذّر‎ ‬كاتب ‬هذه ‬السطور ‬وغيره ‬من ‬أن ‬السكوت ‬عما ‬كان ‬يجري ‬في ‬سوريا ‬سيحوّلها ‬إلى ‬بؤرةٍ ‬لتخلُّق ‬الجماعات ‬الإرهابية ‬ما ‬لم ‬يتدخل ‬المجتمع ‬الدولي ‬لإنهاء ‬أزمة ‬الشعب ‬السوري، ‬وأن ‬تلك ‬البؤرة ‬لن ‬تمكث ‬طويلاً ‬حتى ‬يطال ‬شررها ‬المنطقة ‬والعالم، ‬وأن ‬الصمت ‬والعجز ‬الدولي ‬سيجعل ‬من ‬سوريا ‬منطلقاً ‬لتصدير ‬أجيالٍ ‬جديدةٍ ‬من ‬الإرهابيين ‬الذين ‬سينشرون ‬الإرهاب ‬من ‬جديدٍ ‬وسيطال ‬الدول ‬الغربية ‬الكبرى. ‬وها ‬هم ‬الساسة ‬الغربيون ‬اليوم ‬يحذرون ‬ويخافون ‬من ‬انتقال ‬هذه ‬الأجيال ‬الجديدة ‬إليهم، ‬ومع ‬كل ‬النجاحات ‬الدولية ‬في ‬محاربة ‬الإرهاب ‬إلا ‬أن ‬التغاضي ‬والتخاذل ‬تجاه ‬ما ‬جرى ‬ويجري ‬في ‬سوريا ‬تحوّل ‬إلى ‬داعمٍ ‬لإعادة ‬عجلة ‬الإرهاب ‬للدوران ‬من ‬جديد.

لن‎ ‬يتمّ ‬القضاء ‬على ‬الإرهاب ‬إلا ‬بالقضاء ‬على ‬الخطابات ‬الدينية ‬التي ‬تخلقه، ‬تلك ‬الخطابات ‬التي ‬خلطت ‬الدين ‬بالسياسة ‬ووظفت ‬الدين ‬لخدمة ‬السياسة ‬وثمة ‬تجارب ‬مهمةٌ ‬في ‬إعادة ‬تنظيم ‬المجال ‬الديني ‬منها ‬تجربة ‬دولة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة ‬المتكاملة ‬والناجحة، ‬وكذلك ‬تجربة ‬المملكة ‬المغربية ‬التي ‬أصدر ‬فيها ‬ملك ‬المغرب ‬مرسوماً ‬قبل ‬أيامٍ ‬يمنع ‬رجال ‬الدين ‬من ‬التدخل ‬في ‬السياسة.

أخيراً، ‎فقد ‬صرّح ‬وزير ‬الأوقاف ‬والشؤون ‬الإسلامية ‬بالمغرب ‬أحمد ‬التوفيق ‬قائلاً: «‬نحن ‬لا ‬نخاف ‬على ‬الدين ‬من ‬السياسة، ‬بل ‬نخشى ‬على ‬السياسة ‬من ‬الدين، ‬ونحن ‬لا ‬نريدها ‬أن ‬تفسد ‬لأننا ‬بحاجةٍ ‬إليها، ‬لكن ‬لكلٍ ‬مجاله ‬ولغته ‬وطريقته ‬في ‬الإصلاح»‬.

عبد بن بجاد العتيبي

كاتب سعودي