الإِسلامية الشَّركسية: ارتباطاتها ومستقبلها

خارج الحدود حيث يكون الجهاد

تنحصر الحركات الإسلامية في المنطقة الشركسية في ارتباطاتها بمجالها الإقليمي ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تبعيتها لما يسمى بـ"إمارة القفقاس الإسلامية"، وهي كانت حتى عام 2007 متلقي للأوامر من قبل القيادات الإسلامية في الشيشان.

إلا أن رسالة زعيم "قاطع قباردينو/ بلقاريا" أنزور أستميروف المؤرخة بتاريخ 11/ 11/ 2007 والتي نشرت على موقع (kavkaz centar) تظهر أن قيادات هذه الجماعات بدأت تدخل في عملية المشاركة في تنفيذ وإصدار الأوامر على مستوى المنطقة ككل، من خلال تأييد زعيمها للإمارة وأهدافها والتزامها بمبادئها.

وعلى العكس ينشط التيار القومي الشركسي بصورة أوضح على الساحة الإقليمية والدولية، ففي أوج قوته في مطلع التسعينات وبوجود منظمتين قويتين هما: الأديغي خاسة، والمؤتمر الشعبي للقبردي، حاول القبردي الاستقلال الفعلي والتام عن روسيا، وتخطى هذا التيار القومي حدود الجمهورية وحاول العديد من قادته تزعم حركات تحررية في كل شمال القفقاس، حيث تمثل قيادة السيد يوري شنبة لاتحاد الشعوب الجبلية (كونفدرالية شمال القفقاس) مثالاً واضحاً للدور المؤثر والقوي الذي لعبه التيار القومي الشركسي في المنطقة مما جعل موسكو ترى أن هذا التيار يشكل خطراً أكثر من غيره على وحدة الدولة الروسية، وقد تكون الإجراءات التي اتخذت لردع هذا التيار خير دليل على مدى التأثير الذي كان يتمتع به في منطقة شمال القفقاس.

ويعود ليظهر على الساحة الخوف الروسي من خسارة روسيا القوقاز برمته ولهذا السّبب فإن وسائل الإعلام الروسيه تقوم أحيانا بنشر روايات عن خطر خطط إعادة "إحياء شيركيسيا الكبرى" تمتدّ أكثر من البحر إلى البحر، ومثل هذه المقالات تبيّن أنّ الكرملين يأخذ المشكلة الشّركسيّة بجدية وهو على استعداد لاتّخاذ خطوات صارمة لسحق مطالب الشّراكسة للاعتراف بحقوقهم مهما صغرت، من هذا المنطلق يعتبر "الكونغرس الشركسي" (على سبيل المثال) منظّمة ذات خطر حقيقي لأن المنظمه هدفها المعلن هو الاعتراف بالإبادة الجماعية ضد الشّراكسة من جانب الدّولة الرّوسية، وفروعه الموجودة منها في روسيا تتعرّض للمضايقات من قبل السّلطات.

وعلى الصعيد الدولي يبدو أن التاثير الأقوى للتيار القومي أكثر من غيره في المجتمعات الشركسية في المهجر، ففي الولايات المتحدة الأميركية كان الخامس من تشرين الأول (نوفمبر) من عام 2007 الموعد المنتظر للشراكسة هناك، حيث نظموا مظاهرتين في مدينة نيويورك للتنديد بالاحتفال بالذكرى الــ450 للانضمام الطوعي لروسيا، وكذلك احتجاجاً على دورة الألعاب الأولمبية 2014 التي ستعقد في سوتشي، وكانت المظاهرة الأولى أمام مبنى القنصلية الروسية، والثانية كانت أمام مبنى الأمم المتحدة وذلك بهدف المطالبة بالحقوق الشركسية التي حرموا منها منذ عام 1864 عندما احتلت روسيا شيركيسيا بشكل نهائي، و كذلك مطالبة روسيا بالاعتراف بجرائم الإبادة التي مارستها قواتها بحق الشعب الشركسي، في الرابع من تشرين الأول/ نوفمبر 2007 احتشد الشراكسة في تركيا أمام مبنى القنصلية الروسية في إسطنبول وذلك للتعبير عن استنكارهم للاحتفال الذي تقيمه موسكو بالذكرى الـ450 للانضمام الطوعي وكذلك للتنديد بقيام دورة الألعاب الأولمبية 2014 في سوتشي التي كانت مسرحاً لجرائم الإبادة التي ارتكبتها القوات الروسية بحق أجدادهم.

اعتماداً على ما سبق يظهر أن الارتباط الوحيد الموجود لدى الجماعات الإسلامية في المنطقة الشركسية هو ذلك الارتباط مع الحركات التي تعتبر نفسها جزءاً منها، وبالتالي لا تظهر هذه الحركات بصورة مستقلة مثلما هو حال التيار القومي.

مستقبل الحركات الإسلامية

إن معايير النجاح المتعلقة بنفوذ وانتشار الحركة الإسلامية في الجمهوريات الشركسية تختلف عن نظيراتها في منطقة شمال القفقاس، فالحركات الإسلامية تمكنت من تحقيق النجاح على صعيد تنفيذ عمليات عسكرية ضد السلطات الروسية، لكن مقارنة مع النفوذ المصاحب للتيار القومي تبدو هذه الحركات معزولة ومرتبطة بالجبهة القفقاسية ككل.

ما يزال الشعور القومي هو الأقوى في التأثير بين أبناء الشعب الشركسي، ففي الأحداث التي رافقت محاولات المركز الفدرالي إلغاء جمهورية الأديغية وضمها إلى مقاطعة كراسنودار المجاورة منذ عام 2000، أظهرت المنظمات القومية الشركسية قدرتها على دفع الشعب الشركسي للتظاهر والاحتجاج بصورة علنية وبشكل متواصل ومستمر طيلة ثماني سنوات، ففي 21/ 4/ 2005 احتشد حوالي 10.000 شخص في العاصمة مايكوب للاحتجاج على مخططات موسكو الرامية لحل جمهورية الأديغية وضمها لمقاطعة كراسنودار، وفي 1 شباط/ فبراير 2006 أفاد موقع Caucasus times بأن حوالي 500 شخص تجمعوا في العاصمة مايكوب للتعبير عن رفضهم لأي محاولة أو مخطط، قد يؤدي لحل جمهورية الأديغية، ونظم الاجتماع من قبل منظمتي الأديغة خاسة والكونغرس الشركسي.

وفي 23 تشرين الثاني(نوفمبر) 2008 عقد مؤتمر لأبناء الشعب الشركسي في مدينة تشركيسك، هذا المؤتمر يعتبر اسثنائياً، حيث دعا إلى دمج الأراضي الشركسية وإقامة جمهورية تشيركيسا ضمن الفدرالية الروسية. وما يجعل هذا المؤتمر استثنائياً أنه كان يعني تناول مثل هذا الموضوع خلال الحقبة السوفيتية دعوة إلى الانفصال والتطرف.

في الوقت ذاته لم تستطع الحركات الإسلامية الظفر بتأييد واسع من قطاعات المجتمع بعكس الحركات القومية، إلا أنه وبالنظر إلى مستقبل هذه الحركات فإنها تمكنت من تحقيق العديد من النجاحات على صعيد الجبهة القفقاسية المرتبطة بالتطورات الخاصة بجمهورية الشيشان، مثل تمكن أفرادها من قتل أناتولي كياروف في 15/ 1/ 2008 والذي كان من أهم الأسماء التي برزت خلال عمليات قمع أحداث نالتشك، أي بعد حوالي أربع سنوات من الهجوم، وتصريح رئيس شعبة مكافحة الجريمة المنظمة في وزارة الداخلية بالقبردي/ بلقار أرسين تيشكوف بتاريخ 31/ 12/ 2007 بأن عدد المتطرفين الإسلاميين في الجمهورية يزداد باضطراد، وبأن الوضع قد يخرج عن السيطرة في حال عدم اتخاذ إجراءات فعالة.

إلا أن احتمالية تبلور شكل أو نوع من التواصل والتنسيق بين الحركات القومية والإسلامية الموجودة في الجمهوريات الشركسية والمهجر الشركسي في الخارج وتوفر ظروف ومعطيات دولية معينة يؤكدان أن تطورات الصراع الداخلي في الجمهوريات الشركسية مقبلة على أحداث تصعيدية تؤثر على مستقبل الوضع السياسي لهذه الجمهوريات بصورة واضحة، كما تفتح المجال للتكهن بسيناريوهات متعددة قد يكون النموذج الكوسوفي محتملاً فيها أو على الأقل التلويح به لكبح جماح التطلعات الروسية نحو العودة إلى زعامة النظام الدولي، وقد يكون شمال القفقاس وضمنه المنطقة الشركسية ورقة للتسوية والمساومة بين الغرب وروسيا، أي إن الصراع الداخلي في الجمهوريات الشركسية يمكن أن يستغل من قبل القوى الدولية المناوئة للعودة الروسية من خلال دعم الحركات الشركسية الرافضة لاستمرار الهيمنة الروسية في المنطقة أو القيام بنوع من التسوية مع روسيا مستخدمة الورقة الشركسية أو غيرها من الأوراق في المنطقة، مع أن الورقة الشركسية قد تكون الأفضل كونها ليست ذات ارتباطات مع بعض الجهات التي تعتبر العدو الأول للغرب مثل تنظيم القاعدة.