العدوان على قطاع غزة والتباس مفاهيم النصر والهزيمة

العدوان العسكري الإسرائيلي الحالي على شعبنا وخصوصا في قطاع غزة ليس الأول، وقد لا يكون الأخير، ولكنه الأول الذي يأتي في سياق متغيرات وطنية مستجدة (أزمة حركة حماس وتشكيل حكومة توافق وطني) ومتغيرات إقليمية جديدة (سقوط حكم الإخوان في مصر وانكشاف ما يسمى بالربيع العربي) وفي ظل تزايد تواجد جماعات دينية متطرفة خارجة عن رقابة وسيطرة حركة حماس، أيضا يأتي العدوان في ظل وقف المفاوضات وفشل عملية التسوية الأميركية.

ولكن هذه المتغيرات لا تؤثر على ثوابت الكيان الصهيوني واستراتيجياته تجاه الشعب الفلسطيني، وعلى رأس هذه الثوابت توظيف العدوان على قطاع غزة لتكريس الانقسام، وكسر روح الوطنية عند أهالي القطاع، وإبعاد الأنظار عن المعركة الرئيسة التي تخوضها إسرائيل لاستكمال ضم الضفة وإنهاء الوجود الوطني هناك.

1- عدوان على الشعب والدولة الفلسطينية وليس على قطاع غزة

ما يجري ليس عدوانا على قطاع غزة بل على الشعب والدولة الفلسطينية، فما يجري في الضفة أكثر خطورة بدلالته الوطنية الاستراتيجية مما يجري في قطاع غزة، ويجب التوقف عن استعمال مفردات الانقسام أو المفردات التي تستعملها إسرائيل في توصيف ما يجري، بل حتى إن مفردات الحرب والعدوان لا تستقيم مع وجود حالة احتلال،لان الاحتلال بحد ذاته حالة عدوان مستمر على الشعب يستوجب المساءلة الدولية، الحديث عن حرب أو عدوان على القطاع أو الضفة يوحي وكأنه قبل "العدوان" كانت الأمور عادية، وعليه يجب مساءلة إسرائيل على عدوانها وليس على احتلالها!

بعد تفاهمات مخيم الشاطئ (المُبهَمة) ثم تشكيل حكومة توافقية، قال الرئيس الفلسطيني أبو مازن وقادة آخرون في فتح ومنظمة التحرير وفي حركة حماس إن تشكيل الحكومة يعني نهاية الانقسام البغيض، وهذا معناه أن قطاع غزة أصبح جزءا من السلطة والدولة الفلسطينية. حتى دون توقيع اتفاق مخيم الشاطئ فإن قطاع غزة يعتبر من مسؤولية الرئيس أبو مازن لأنه رئيس كل الشعب الفلسطيني، من خلال رئاسته للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وللدولة الفلسطينية.

والرئاسة مسؤولية، فكون الرئيس رئيسا للسلطة الوطنية يعني مسؤوليته عن كل ساكنة الضفة الغربية وقطاع غزة، وكونه رئيسا للدولة الفلسطينية التي أصبحت "عضواً مراقباً" في الأمم المتحدة، وعضواً في خمسة عشر منظمة واتفاقية دولية، وقطاع غزة جزء من أراضي هذه الدولة، والاعتداء عليه اعتداء على الدولة، فيجب على الرئيس ممارسة صلاحياته في الدفاع عن المحافظات الجنوبية من دولة فلسطين، دون ان يعني ذلك إسقاط مسؤولية دولة الاحتلال عن كل ما يجري في نطاق الأراضي المحتلة.

الشعب يحتاج لرئيسه وحكومته عند التعرض للأزمات والمآسي أكثر مما يحتاجهما في الظروف المريحة. لا يجوز الحديث عن عدوان أو حرب على قطاع غزة، بل الأصح الحديث عن حرب وعدوان على الدولة الفلسطينية، والعدوان على الدولة عدوان على رئيسها وحكومتها؟

2- عدوان متعدد الأهداف السياسية

مع أن العدوان العسكري على المناطق الجنوبية للدولة الفلسطينية ليس بالأمر الجديد، بل هو حالة تتكرر كل سنتين أو ثلاث سنوات، إلا أنه هذه المرة جاء في سياقات مختلفة نسبيا، حيث هذه المرة لا يوجد استفزاز فلسطيني يبرر هذا العدوان. إسرائيل هي التي خرقت التهدئة وخططت للعدوان واستدرجت للحرب كل الحالة الفلسطينية، سواء في الضفة أو غزة، في مسعى منها لتحقيق أهداف سياسية ذات أبعاد إستراتيجية وليس مجرد الرد على عملية "خطف" لثلاثة مستوطنين.

التصعيد العسكري على القطاع بات استراتيجية ثابتة عند دولة الكيان، يلجأ إليها كلما تأزمت المفاوضات وعملية التسوية مع السلطة، لإخفاء ما يجري في الضفة من استمرار الاستيطان والتهويد، أيضا تلجا للتصعيد كلما تزايدت الانتقادات الدولية ضدها وهي انتقادات وصلت في الأشهر الأخيرة حدا غير مسبوق، أيضا لتعزيز الانقسام والخلافات الفلسطينية الداخلية، لأن المصالحة الوطنية الحقيقية اكبر خطر يهدد المخططات الإسرائيلية التوسعية، ويبدو أن إسرائيل في عدوانها الأخير قدمت ولو بطريقة غير مباشرة يد المساعدة لأطراف فلسطينية لا تريد المصالحة.أيضا تقوم إسرائيل بحرب على غزة كل سنتين أو ثلاث سنوات، لكسر روح الصمود والمقاومة في القطاع، وتدمير ما يبنيه الشعب بجهده وعرقه، ليبقى الشعب منشغلا بالبحث عن لقمة عيشه ولا يتفرغ للقضية الوطنية العامة.

لو تفحصنا توقيت العدوان الإسرائيلي الراهن على أراضي الدولة الفلسطينية وخصوصاً على المحافظات الجنوبية، سنجده جاء في وقت تحتاج فيه الحكومة اليمينية لنتنياهو لحالة حرب أو حالة أمنية، لتهرب من مآزقها المتعددة ولتحقيق الأهداف المُشَار إليها.

إسرائيل هي التي تحدثت عن اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين، وهي التي قالت إن حماس قامت باختطافهم، بينما لم تعلن حماس أو أي جهة فلسطينية مسؤوليتها عن العملية، وإسرائيل هي التي قالت إنها وجدت جثث المستوطنين المختفين، وإسرائيل هي التي قامت (بردة فعل) كانت مُعَدة مُسبقا على عملية الخطف المفترضة، سواء تعلق الأمر بإعادة اعتقال أسرى محررين ونواب تشريعي وقيادات من حماس، أو بمداهمة البيوت في الخليل وشعفاط والقدس، أو بتشجيع إسرائيليين لخطف وإحراق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير.

عندما تقوم إسرائيل بكل ذلك تعرف أن الشعب الفلسطيني في القطاع لن يسكت عما يجري في الضفة، وأن بعض فصائل المقاومة سترد على العربدة الصهيونية في الضفة، أو ستوظف ما يجري في الضفة لتحقق بدورها أهدافاً خاصة بها، وتعرف أنه ستتشكل حالة وطنية متأججة ستدفع كل الفصائل للرد على الجرائم الإسرائيلية. هذا ما جرى حيث شاركت كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منتمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بإطلاق صواريخ على إسرائيل ومحاولات اقتحام لمواقع إسرائيلية، لتقوم إسرائيل بالتصعيد بدورها، بل وتهدد بعملية برية.

3- انقسام النخبة السياسية يساعد إسرائيل على تحقيق أهدافها

عودة على بدء، في الوقت الذي تتشكل فيه حالة تجاوب وتفاعل غير مسبوقة منذ سنوات ما بين أهلنا في الضفة وأهلنا في القطاع ويساندهم أهلنا في أراضي 48، وهي حالة دفعت أوساط فلسطينية وإسرائيلية للحديث عن بوادر انتفاضة ثالثة، في هذا الوقت تعود الخلافات والاتهامات المتبادلة بين طرفي (المصالحة المفترضة) وتصل لدرجات غير مسبوقة من التخوين والاتهام، مما يجعل انقسام النخبة السياسية نقطة الضعف القاتلة في المشهد الوطني الفلسطيني، وهي حالة متعارضة مع كل قوانين الاجتماع السياسي التي تقول إن الشعب والقيادة وكل القوى السياسية تتوحد في حالة تعرض الشعب لعدوان خارجي ـ والإسرائيليون توحدوا حول نتنياهو ونسوا خلافاتهم مؤقتا في مواجهة ما يسمونه الإرهاب الفلسطيني.

هذا الانقسام هو ما يُعيق تحول الغضب الشعبي في الضفة والقدس لانتفاضة شاملة أو لحالة مقاومة شعبية متواصلة، وهو ما قد يعيق تحقيق انجاز ذي شأن للمقاومة في قطاع غزة، سوى الرد على العدوان بمزيد من إطلاق الصواريخ، ومعاناة جديدة لأهلنا في القطاع.

ما يثير تساؤلات مقلقة عند المواطنين الفلسطينيين والمراقبين الخارجيين، ما يبدو من حالة التردد والإرباك بل والسلبية عند حكومة التوافق الوطني والسلطة والرئاسة. فهذه الأطراف تتعامل مع ما يجري من تحركات شعبية في الضفة بخوف وحذر، بل تنظر لها وكأنها تهديد للنظام والاستقرار! ولا تعلن موقفاً مباركاً لهذا الحراك الشعبي، ولا تحاول الأجهزة الأمنية للسلطة إسناد المحتجين أو حمايتهم من بطش المستوطنين والجيش.أما موقفها مما يجري في قطاع غزة فهو أكثر غرابة، حيث تتعامل مع قطاع غزة وما يتعرض له من عدوان وكأنها أمور تجري في بلد مجاور، وليس عدوانا وحربا على جزء من الدولة الفلسطينية، وعلى الشعب الفلسطيني، شعب الرئيس أبو مازن.

نعتقد انه في الوقت الذي نتمنى أن لا توظف حركة حماس العدوان الإسرائيلي لتخرج من مآزقها، وتعيد موقعة نفسها داخليا وخارجيا كحركة مقاومة، دون أي أفق لمستقبل قطاع غزة، وعلى حساب المصالحة الوطنية الجادة، مطلوب أيضا من السلطة الفلسطينية تقديم كثير من التوضيحات حول موقفها مما يجري في الضفة وغزة، ولماذا هذا الإصرار على التنسيق الأمني، دون حتى مجرد التهديد اللفظي بإعادة النظر فيه، إن لم تلتزم إسرائيل بما عليها من استحقاقات، وخصوصا أنه حسب نصوص اتفاق أوسلو فإن التنسيق الأمني التزام على الفلسطينيين مقابل التزام إسرائيل بعملية السلام، وإسرائيل لم تلتزم بها بل وتعلن أن اتفاق أوسلو قد مات، وهي قتلت اتفاق أوسلو منذ عام 2002 عندما اجتاحت الضفة الغربية.أيضا يحتاج الأمر لتوضيح من رئيس الدولة الفلسطينية حول جدوى الانضمام للأمم المتحدة وللمنظمات والمواثيق الدولية وخصوصا لاتفاقية جنيف الرابعة، إن لم يتم توظيف ذلك لمنع العدوان على أراضي وشعب الدولة في الضفة وغزة؟ وما قيمة منظمات دولية وشرعية دولية لا تستطيع حماية شعب دولة عضوا فيها؟ أيضا هناك علامات استفهام حول الموقف المصري والعربي مما يجري؟ وما هو الدور المصري ما بعد وقف العدوان؟

4- حتى لا يؤول الأمر لانتصارات وهمية وهدنة تكرس الانقسام

بعد أيام أو أسابيع ـ قد تُطيل إسرائيل مدة الحرب في محاولة منها لتدمير واستنزاف القدرات الصاروخية للمقاومة، في مراهنة على صعوبة تجديد ترسانة الصواريخ نتيجة هدم الأنفاق مع مصر - ستتوقف هذه الجولة من العدوان دون أن ينتهي الصراع. إسرائيل لن تنهي حركة حماس وحالة المقاومة في قطاع غزة وإن كانت ستسعى لإيجاد حل نهائي لإطلاق الصواريخ من غزة، وفصائل المقاومة لن تستطيع القضاء على إسرائيل أو هزيمتها بالمفهوم العسكري التقليدي للنصر والهزيمة.

ستتحدث إسرائيل عن تحقيق "انتصارات" وإعادة قوة الردع والهيبة للجيش الإسرائيلي نتيجة الدمار والخراب الذي ستلحقه بقطاع غزة وأهله وخصوصا المدنيين والأطفال، وستتحدث فصائل المقاومة عن انتصارها على العدو، وعن عدد الصواريخ التي أطلقتها ومداها...الخ.

ولكن عندما يتوقف صوت المدافع والصواريخ، وبعد خطاب الانتصار من الطرفين، بعد كل ذلك سيتم التوصل لتفاهمات جديدة بين حركة حماس وإسرائيل حول التهدئة، وسنجد أمامنا ضفة غربية أكثر استباحة من طرف المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وحالة تباعد ما بين السلطة الفلسطينية والشعب، وسنجد قطاع غزة في حالة يرثى لها من الدمار والخراب، وسنسمع عن مزيد من عائلات الشهداء ومن الأيتام والأرامل والجرحى الخ، وفوق كل ذلك والأخطر من ذلك سيعود الانقسام أكثر ترسخا والعداء الداخلي أكثر استفحالا، فكيف يُعقل أن يتحدث حزب أو أحزاب عن انتصارات على أشلاء وطن ومعاناة شعب؟ كيف تنتصر أحزاب وينهزم الوطن ؟.

فهل من ذوي عقول لبيبة تفكر: كيف نواجه العدوان متحدين، كل منطقة ـ الضفة وغزة - حسب معطياتها وخصوصياتها؟ وكيف نواجه مرحلة ما بعد العدوان بحيث نمنع إسرائيل من جني ثمن سياسي من عدوانها، سواء كان في الضفة أو قطاع غزة،أو فيهما معا من خلال محاولة فرضها لمعادلة جديدة قد تستدرج لها أطراف عربية ودولية؟

في ظني أنه وبعد كل ما جرى لن تعود إسرائيل لطاولة المفاوضات ولتسوية تمنح الفلسطينيين دولة مستقلة. تستطيع إسرائيل أن تُلحق ضررا بالغا بالشعب ولكنها لا تستطيع أن تكسر أنفته وكرامته الوطنية، أو تفرض عليه إرادتها السياسية. الحالة الوطنية الشامخة التي ولدها العدوان من حيث لا يدري، توفر فرصة تاريخية أمام الشعب ومنظمة التحرير والفصائل والرئيس أبو مازن لتصحيح مسار العملية السياسية والخروج من عنق الزجاجة، وذلك من خلال خوض معركة الدولة والشرعية الدولية إلى نهايتها، وخروج السلطة من حالة الانتظار والمراهنة على تسوية أو مبادرة أميركية جديدة، أو على الزمن، أيضا فرصة لحركة حماس للخروج من مأزقها، ولكن في إطار حالة وطنية جديدة وليس بالعودة إلى ما كانت عليه.

الدولة الفلسطينية لن تقدمها لنا الشرعية الدولية على طبق من ذهب، كما أن صواريخ المقاومة لوحدها لن تجلب لنا الدولة والاستقلال. الاستقلال وقيام الدولة يحتاجان إلى استراتيجية وطنية تجمع ما بين الاشتباك مع الاحتلال ومواجهته على الأرض، وتحرك دبلوماسي على المستوى الدولي والعربي والإسلامي، ونعتقد أن الوقت هو وقت هذه المعركة، إن كانت توجد نوايا حقيقية عند القيادة والنخبة السياسية في رهانها على الشرعية الدولية، والعالم سيتفهم الموقف الفلسطيني وسيدعمه، إذا ما خاض الفلسطينيون معركة الدولة والشرعية الدولية متحدين.