التونسيون للسياسيين: أين برامجكم حتى نمنحكم أصواتنا؟

احزاب لا تعرف السياسة

تونس - أظهرت دراسة ميدانية لاستطلاع الآراء أن 57 بالمائة من التونسيين لا يعيرون أي اهتمام للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها في الخريف القادم، وأن 61 بالمائة لا يعرفون إلى حد الآن لمن يمنحون أصواتهم نظرا لغياب برامج واضحة للأحزاب المتنافسة.

وأكدت الدراسة، التي أعدها المركز التونسي لاستطلاع الآراء وشملت عينة من 5 ألاف و700 تتوزع على مختلف الجهات والفئات، أن 70 بالمائة من المستجوبين قالوا إنهم لن يمنحوا أصواتهم لحركة النهضة الإسلامية "لأنهم جربوا حكمها خلال ثلاث سنوات وفشلت" في إدارة شؤون البلاد ولم تف بوعودها التي قطعتها على نفسها في انتخابات 2011.

ومن اللافت أن نسبة العازفين عن المشاركة في الانتخابات ترتفع في الأحياء الشعبية والجهات المحرومة لتناهز 71 بالمائة، وهو مؤشر على حالة الإحباط التي تعيشها قطاعات واسعة من الفقراء والمهمشين الذين لا يرون فرقا بين هذا الحزب أو ذاك طالما لم يتقدم ببرامج توفر لهم مقومات العيش الكريم.

وقال 44 بالمائة فقط من العينة المستجوبة أن الانتخابات حدثا وطنيا هاما يستجوب المشاركة فيه بكثافة من أجل نقل الوضع السياسي بالبلاد من الحالة "المؤقتة" إلى حالة "الاستقرار" السياسي، غير أنهم اشترطوا تلك المشاركة بضرورة أن تتقدم الأحزاب المتنافسة ببرامج سياسية وتنموية تحقق تطلعات التونسيين إلى الديمقراطية والتنمية.

وتصدر حزب حركة نداء تونس المرتبة الأولى في نوايا التصويت بـنسبة 57 بالمائة ممن عبروا عن عزمهم في المشاركة، وجاءت حركة النهضة في المرتبة الثانية بفارق كبير حيث انحسرت نسبة الذين قالوا إنهم سيمنحوها أصواتهم في 26 في المائة، فيما توزعت نسبة 29 بالمائة الباقية بين تيار المحبة، الذي يتزعمه محمد الهاشمي الحامدي المقيم بلندن، والائتلاف اليساري "الجبهة الشعبية" والحزب الجمهوري الذي يتزعمه أحمد نجيب الشابي.

وعلى الرغم من أن نتائج دراسات استطلاع الآراء غير موثوقة بصفة مطلقة ومتغيرة بتغير تضاريس المشهد السياسي وتحولات الرأي العام، فإن الدراسة الحديثة التي اشرف على إعدادها خبراء وجامعيون أكدت أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة لا تتصدر اهتمامات أكثر من نصف التونسيين الذين يرون أن تحسين ظروف المعيشة وتوفير التنمية والقضاء على الإرهاب هي ملفات تشغلهم بل وتؤرقهم.

وتظهر نتائج الدراسة أن التونسيين فقدوا الثقة في الأحزاب السياسية التي جربوها في الحكم، مثل حركة النهضة وحليفيها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الرئيس منصف المرزوقي وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والتنمية الذي يتزعمه رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر.

كما تؤكد الدراسة أن هناك قطيعة سياسية بين التونسيين وعشرات الأحزاب التي لا تظهر إلا عبر وسائل الإعلام لتبدي مواقف فضفاضة بدل تقديم برامج تميز بعضها عن بعض وتعالج المشاغل الحقيقية للمواطنين الذي سئموا الوعود.

وتتطابق هكذا نتائج من آراء الخبراء والمحللين السياسيين الذين يشددون على أن مشاغل غالبية التونسيين تتمثل في غلاء المعيشة وتفشي المضاربات والفساد والرشوة وغياب التنمية واستفحال البطالة وتوسع رقعة الفقر، التي طالت الطبقة الوسطى، حتى أن شرائحها الضعيفة تآكلت وتدحرجت إلى فئة الفقراء.

وبرأي طارق بلحاج محمد، المختص في علم الاجتماع السياسي، إن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لا تمثل أولوية شعبية اجتماعية بالنسبة للتونسيين في ظل الأوضاع الراهنة، مشددا على ثلاث سنوات من حكم الإئتلاف الثلاثي الذي تقوده حركة النهضة أضاعت على التونسيين الكثير من الفرص حتى أنها قادت البلاد إلى أزمات سياسية واقتصادية واحتقان اجتماعي وإلى حالة من الإرباك العام.

وينظر التونسيون إلى الأحزاب السياسية على أنها أحزاب فاشلة ومخادعة تتاجر بتطلعاته وثورته دون أن تقدم برامج تعالج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد.

وفي الواقع تعكس نظرة التونسيين للأحزاب السياسية وعيا عميقا بالوضع العام بالبلاد، ذلك أن تلك الأحزاب اختزلت السباق إلى الانتخابات في "عقد الصفقات" وصراع الزعامات والأسماء مع غياب كامل لتنافس البرامج والتصورات والرؤى.

ويشدد أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية قيس سعيد على أن الأحزاب السياسية "تتعامل مع التونسيين كقطيع من الناخبين يحددون لهم كيف يختارون ثم يقدمون لهم للاختيار من وقع عليه الاختيار في تونس أو ربما في بعض العواصم الغربية".

ويضيف سعيد أن تأكيد نصف التونسيين على عدم اهتمامهم بالانتخابات هو موقف شعبي على قدر كبير من الوعي السياسي لأنه يعكس حقيقة ماثلة في تونس وهي أن "إفلاس الطبقة السياسية والأحزاب وطرح شعارات وتوافقات بطعم الصفقات على التونسيين خلال الانتخابات القادمة سيثير ردود فعل عكسية قد تعمق الهوة بين الشعب والأحزاب وتقود إلى العزوف المشاركة في الانتخابات".

ويتحدث التونسيون عما يسمونه بتزوير عقول الناخبين عبر صفقات سياسية تغني الأحزاب المتنافسة عن تزوير صناديق الاقتراع وهم يشيرون بذلك إلى أن الأحزاب تتعامل مع الانتخابات كما لو أنها استفتاء على قائمات أو شخصيات، والحال أنه يفترض التعامل مع العملية الانتخابية على أساس برامج تعالج المشاغل الحقيقية.

وفي ظل مشهد سياسي يمزقه الاستقطاب بين النهضة، التي فشلت في تحقيق ولو القليل من تطلعات التونسيين خلال سنوات حكمها، وبين العلمانيين الذين يحاولون فك عزلتهم الشعبية، يبدو أن الانتخابات القادمة ستنحسر في دائرة أنصار الأحزاب الذين لا يمثلون سوى 40 بالمائة من مجموع الناخبين، فيما يبقى غالبية التونسيين عازفين عن منح أصواتهم لأحزاب أفلست سياسيا وشعبيا.