المالكي وحده ليس المشكلة

مثلما أجمع العالم، عدا إيران وروسيا، على ضرورة رحيل بشار الأسد ولم يرحل، فها هو العالم اليوم يُجمع، وعدا إيران وروسيا أيضا، على ضرورة رحيل نوري المالكي، ولا يريد أن يرحل.

ومثلما كان الحل واضحا وسهلا في سوريا، وكفيلا بإطفاء نار الفتنة بسرعة وبأقل ثمن، وحقن الدماء، وتجنيب الوطن الجميل ما حل به من خراب وتدمير وتمزيق وتقزيم، وأنكره الأسد وفضل عليه المواجهة والقتل بالمدافع والصواريخ والغازات السامة والبراميل المتفجرة، ها هو المالكي ينوي اختيار نفس الطريق، واستخدام نفس الأساليب.

ومثلما دخلت إيران وروسيا إلى المشكلة السورية، وهي صغيرة محلية ضيقة وسلمية وعفوية، فقامتا بتعقيدها، وإطالة أمد حريقها، ها هي إيران اليوم تسارع إلى انتهاز الفرصة، وتدفع بكتائب من حرسها الثوري إلى العراق، بذريعة حماية العتبات المقدسة، وكأن هذه العتبات في خطر حقيقي، وكأن مليشياتها العراقية العديدة، وجيوش حكومتها المالكية المليونية لا تستطيع حمايتها، وكأن داعش وأية قوة مسلحة أخرى قادرة فعلا على دخول النجف وكربلاء والاعتداء على مقدساتها، وكأن العراقيين الذين حموا تلك العتبات مئات السنين عاجزون اليوم عن منع المساس بها من أيٍ كان. وها هو "الشبيح" الدولي المحترف بوتين يعلن عن وقوفه الصلب مع المالكي، تماما كما فعل مع بشار.

وكان محتملا أن يقرأ المالكي خارطة المستقبل بوعي وبصيرة فيتنحى ويترك المجال لغيره لإصلاح ما لم يستطع إصلاحه في دورتين من القيادة، لكن التدخل الإيراني والتسخين الروسي جعلاه، كبشار الأسد، يصاب بغرور القوة، ويختار العناد والمكاسرة، حتى وهو يعلم بأن بقاءه في السلطة، بعد كل الذي جرى، سوف يؤدي حتما إلى ضياع الوطن.

لم يحدث في تاريخ العراق أن تحقق إجماع محلي وعربي وغربي وشرقي على تحميل شخص كامل المسؤولية عما حدث وما سيحدث مثلما تحقق الإجماع اليوم بشأن نوري المالكي.

حتى شركاؤه في التحالف الوطني، كلهُم، عنفوه وخطَّأوه، وأعلنوا أن سياساته الارتجالية الأنانية الاحتكارية التعسفية الديكتاتورية التهميشية التزويرية التلفيقية هي التي سهلت المهمة لداعش، وأخرجت أفاعي البعث الدموي من أوكارها، وناشدوه التنحي، ورشحوا خمسة من رجالهم المتدينين الموالين، مثلـَه وربما اكثر منه، للولي الفقيه، لاختيار بديل عنه يطفيء النار، ويحاور الغاضبين من الشيعة والسنة والأكراد، ويعيد العلاقات المقطوعة مع دول الجوار، ويرفع رأس العراق في العالم من جديد.

والظاهر أن هذا المالكي يعاني من خلل في الرؤية وفي تقدير عواقب الأمور. وكما يبدو فهو لا ينوي أن يصلي على النبي فيمنح الشعب العراقي فرصته الأخيرة لدحر الإرهاب وتحرير المدن المستباحة ومنع الأيدي الأجنبية الطامعة من العبث بأمن الوطن، وتمزيق حاضره ومستقبله، وتعريض مصيره ووجوده لخطر الاندثار.

نعم إن أصحاب السطوة والقرار في المحافظات السنية الغاضبة أخطأوا خطأ لا يُغتفر، وقد يفتح عليهم وعلى أبنائهم وأحفادهم أبواب جهنم ولعنة التاريخ، حين استسلموا لفورة غضبهم من الحاكم الذي ظلمهم وأهانهم وأنكر حقوقهم فتحالفوا مع مسلحين مارقين متخلفين ظلاميين، ولطخوا نضالهم المشروع ومطالبهم العادلة بنتانة الإرهاب وقذارة الإرهابيين.

ولكن إيران تعرف، وأميركا تعرف، والمرجعية تعرف، والمالكي يعرف أن مسلحي داعش ما كانوا ليجدوا لهم أرضا صالحة تؤويهم وتغطيهم وتوفر لهم الأمن والطعام والعتاد والرجال لولا الظلم والقهر والقمع الذي مارسه المالكي ضد السنة، جميعا، بحقد طائفي دون تمييز بين مذنب وبريء.

وجميع العراقيين والعرب والعجم يعرفون أن الوحيد القادر على طرد داعش والقاعدة والقتلة من البعثيين وكل فصائل الإرهاب الأخرى المتسترة بشعارات الوطنية والقومية والدين، هو المواطن العراقي السني صاحب الأرض ومالك دروبها وشعابها ومخابئها وأسرارها، إذا ما أنصف وأعيد إليه اعتباره، وضمنت له دولة عادلة كرامته وإنسانيته، لا جيش الحكومة، (ولا أقول جيش العراق)، ولا الجيش الرديف الذي أفتى به السيستاني، ولا طائرات الأميركان، ولا جميع سنة المالكي.

وكما أن الشارع الشيعي ليس موحدا في الفكر والعقيدة والولاء فإن الشارع السني أيضا ليس كله داعش وأتباع عزة الدوري والتنظيمات المسلحة الأخرى. فهناك شرائح واسعة من العقلاء المتحضرين الديمقراطيين، ولكن لا حول لهم ولا قوة أمام المتطرفين المتزمتين، دينيا أو قوميا أو عشائريا، والمدججين بالسلاح، والمدعومين، ماليا وإعلاميا وسياسيا، من دول وقوى وأحزاب خارجية، والقادرين على فرض سطوتهم على طائفتهم، واحتكار قرارها.

وفي الشارع الشيعي أيضا صارت الغلبة للأحزاب الغنية والقادرة على تسيير المسلحين في الشوارع، وإرهاب ملايين المواطنين العقلانيين المسالمين المتنورين الرافضين لسطوة المليشيات المدعومة، بقوة، من إيران، حتى صار على الراغب في ممارسة العمل السياسي أن يسترضي الطائفيين المتشددين، وأن يخضع لنفوذهم، ويمشي في ركابهم، وغاب صوت المؤمنين بضرورة التفاهم والمصالحة والاقتسام العادل للسلطة مع الشركاء الآخرين في الوطن.

هذه الحقيقية هي التي ينبغي ألا تغيب عن الجميع في هذه الفترة العصيبة من عمر الوطن المهدد بالضياع. فالذي احتل الموصل وتكريت وما زال يتوسع في الاحتلال ليس داعش وحده، بل جماهير واسعة من المدنيين.

ومتوقع جدا وطبيعي أن ينكر هذه الحقيقة أو يتجاهلها المزايدون الطائفيون من أعضاء الأحزاب الدينية المستفيدة من حالة الاحتقان الطائفي، ولا يصدقوا غير رواية المالكي وينزلوا إلى الشوارع والميادين ملوحين بالأسلحة، ومنادين بالثارات القديمة والجديدة، تحت نظر الحكومة وسمعها.

وليست المسيرات التي خرجت بصواريخها وأسلحتها الثقيلة والخفيفة في الشوارع والميادين، ومنها مسيرة الصدريين والعصائب، إلا تقزيما لحكومة المالكي، وتسخيفا لجيشها وقواتها الأمنية المليونية، وتحديا صارخا لتوجيهات السيد السيستاني. وهي، بعد كل ذلك، لا تعرقل الحل المطلوب فقط، بل تغلق أمامه الطريق نهائيا، وتفتح على شعبنا أبواب الجحيم.

والذي يحزن حقا أن تتجاهل هذه الحقيقة، أو تهملها، قوى وطنية وديمقراطية عراقية عريقة، وأن تتخلى عن دورها الريادي التنويري، وتترك الساحة للجماعات الرجعية والمضللة التي ينـفخ قادتها اليوم في نيران الفتنة والاحتراب والاقتتال، ويُسكتون صوت العقل والضمير.

ويحلو لسياسيين عراقيين كثيرين اليوم، شيعة وسنة وأكرادا، عربا وأوروبيين وأميركيين، أن يعزفوا على وتر "حكومة الوحدة الوطنية" ويروجوا لها باعتبارها الحل المثالي للأزمة، وهم يعرفون أكثر من غيرهم بأنها لن تكون إلا نسخة معدلة من نظام المحاصصة القديم الذي أنتج المأزق الحالي.

ويردد كثيرون أن المشكلة تكمن في المالكي وحده، وبمجرد خروجه من السلطة ستشرق الشمس وتغرد العصافير ويسود الأمن وينتهي الفساد وتتحقق سلطة القانون. والحقيقية التي لا يريدون أن يتورطوا في تعقيداتها هي أن أصل البلاء ومنتهى التعدي على الديمقراطية والعدالة هو احتكار رئاسة الحكومة من قبل أربعة أحزاب طائفية توحدها الوصاية الإيرانية، رغم أن عدد منتسبيها، في أحسن التقديرات، لا يزيد على واحد بالألف من الملايين العراقية، خلافا لكل أصول الديمقراطية التي يتغنون بها ويتمسحون بأذيالها.

شيء آخر. من هم الشركاء المؤهلون والمستحقون لتمثيل الشارع السني في الحوار وفي حكومة الوحدة الوطنية التي يتحدثون عنها، بعد أن طرد الزلزال الأخير طاقم الساسة السنة، وسحب الغطاء بالكامل عن جميعهم؟ فالأخَـَوان أسامة وأثيل النجيفي وصالح المطلق وأبو ريشة وسعدون الدليمي وعلي السليمان ورافع العيساوي طردوا من مناطقهم ومن مساقط رؤوسهم، ولم يعد أيٌ منهم يجرؤ على زيارة أية مدينة أو قرية، بعد اليوم، ناهيك عن أن يتحدثوا نيابة عن الطائفة. إذن والحالة هذه لم يبق أمام المخلصين الذين يريدون إنهاء المشكلة من أساسها بصدق إلا محاورة المنتفضين، مباشرة، وتحقيق مطالبهم العادلة، ولكن بشرط أن يفكوا ارتباطهم بالمسلحين جميعا، وأن يقفوا مع الدولة من أجل تطهير الوطن من الأرهابيين، وإعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، والبدء بإعمارها بعد أن نالها ما نالها من خراب.

والمسألة، مهما قيل ويقال، لا يمكن اختصارها بوزارة تُرضي عمار الحكيم ومقتدى والنجيفي وعلاوي والمرجعية وإيران وأميركا، في غياب كامل للشعب العراقي صاحب المصلحة الحقيقي، والباحث الوحيد عن وحدته الوطنية، وعن إعادة اللحمة لأبنائه في الحاضر، وضمان الغد الأفضل لأجياله القادمة. فلا حل سوى حكومة إنقاذ وطني، مؤقتة، قادرة على إعادة بناء دولة المواطنة، وتعديل الدستور وصياغة قانون انتخاب جديد بعيدا عن وصاية المرجعيات الدينية والقبلية في الطائفتين، ولا يدخلها أيٌ من السياسيين الذين صنعوا الكارثة، أو سكتوا عن صانع خراب البيوت.