أنباء عن تسلل مقاتلين من داعش إلى تونس

حكومة النهضة تركت إرثا إرهابيا ثقيلا

تونس ـ تشهد تونس جدلا مثيرا حول هشاشة الوضع الأمني وتنامي سطوة الجماعات المتشددة المسلحة في ظل تسرب أنباء عن دخول عناصر مما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" إلى التراب التونسي، مستغلين الفوضى الأمنية على الحدود الجنوبية الشرقية مع الجارة ليبيا.

وعلى الرغم من اعتراف الأخصائيين في قضايا الإرهاب بأن أداء حكومة مهدي جمعة في مكافحة الجماعات المسلحة أفضل بكثير من حكومة حركة النهضة، إلا أنهم ما انفكوا يحذرون من أن "الوضع الأمني دقيق جدا والإرهاب يعيش بيننا"، مؤكدين أن تونس تحولت خلال فترة حكم حركة النهضة إلى مفرخة للإرهابيين نتيجة التسامح الكبير الذي أبدته الحركة بزعامة رئيسها راشد الغنوشي تجاه مختلف الجماعات السلفية.

وبرأي عضو المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل فريد الباجي وهو أحد الزيتونيين المعادين لجماعات الإسلام السياسي، فإن سياسة التسامح التي انتهجتها النهضة تجاه الجماعات السلفية قادت إلى تنامي المتشددين وشبكات تجنيد شباب أمي وعاطل عن العمل للتوجه إلى سوريا والقتال إلى جانب داعش تحت يافطة الجهاد.

ولم يتردد الباجي الذي يقود معركة شرسة ضد حركة النهضة في تحميل الحركة التي حكمت البلاد حوالي ثلاث سنوات "المسؤولية كاملة" في انتشار ظاهرة الإرهاب في بلاد تعتنق المذهب المالكي الأشعري المعتدل.

ومند الإطاحة بنظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في كانون الثاني/يناير 2011 تحولت تونس إلى أرض منخفضة تعشش في أحيائها الشعبية وفي جهاتها المحرومة مئات الخلايا المتشددة، وتنشط بحرية حتى أنها خططت في أكثر من مرة لإقامة إمارة إسلامية على شاكلة حكم طالبان في أفغانستان.

ويقدر الخبراء عدد تلك الخلايا بـ110 خلية تضم عناصر متشددة من أخطر المقاتلين الذين تدربوا في أفغانسان وفي الصومال وفي العراق.

وتتكون تلك الخلايا من 5 إلى 7 عناصر منظمين تنظيما عنقوديا على طريقة التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين، ويصعب على الأجهزة الأمنية تفكيكها بسهولة.

وتتولى الخلايا النائمة استغلال ظروف المعيشة الصعبة في بؤر الفقر لتجند الشباب وحتى الفتيات للقتال ضد نظام بشار الأسد.

وعادة ما يحصل المجندون أو المجندات على مبلغ مالي قبل السفر عبر الحدود الليبية يقدر بثلاثة آلاف دولار على أن يتلقوا تدريبا عسكريا قصيرا في معسكرات الجماعات المتشددة الليبية، ومن ثمة يتم ترحيلهم جوا إلى سوريا عبر تركيا.

وتفيد تقارير الأجهزة الأمنية التونسية أن الأشهر الأخيرة شهدت تنسيقا بين قيادات "داعش" وقيادات أنصار الشريعة التي يتزعمها سيف الله بن حسين الملقب بـ"أبوعياض" المتواجد حاليا في ليبيا.

وتضيف نفس التقارير أن عناصر تونسية قيادية في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" تسللت إلى التراب التونسي بعد أن ضاق عليهم الخناق في سوريا، وساعدهم في ذلك تنظيم أنصار الشريعة المصنف تنظيما إرهابيا من قبل السلطات التونسية.

ويتوقع الخبراء في قضايا الإرهاب أن عودة المقاتلين من سوريا ومن العراق ستكون لها تداعيات خطيرة على الوضع الأمني التونسي الهش بطبيعته، في ظل موازين قوى غير متكافئة بينهم وبين الأجهزة الأمنية وحتى الأجهزة العسكرية، حيث لا تمتلك تونس تجربة كبير في محاربة عناصر تدربت على شتى فنون القتال.

ويبدو أن رئيس الحكومة الحالي مهدي جمعة قد استشعر خطر الإرهاب القادم لذلك طلب من ألمانيا خلال زيارته لها مساعدة تونس على مكافحة الإرهاب.

وعلى الرغم من أن السلطات التونسية لم تكشف بعد ما إذا كان طلب جمعة يتعلق بمساعدة لوجستية واستخباراتية أو يتعلق بالتسليح، إلا أن هكذا طلب يؤكد أن الحكومة الحالية ورثت من حكومة النهضة إرثا إرهابيا ثقيلا، يستوجب مساعدة من بلدان تمتلك الخبرة والمعلومة والعتاد.

ومما عزز شعور التونسيين بالقلق على بلادهم من خطر الجماعات المتشددة المسلحة هو ما تؤكده التقارير الأمنية والبحثية التي تقول إن المقاتلين التونسيين يتولون مراكز قيادية هامة في أخطر الجماعات المسلحة وفي مقدمتها "داعش".

وخلال الأسابيع الماضية تسربت معلومات تؤكد أن أمير جماعة أنصار الشريعة أبوعياض نسج خيوطا مع قيادات داعش، وكان وراء تجنيد العشرات من الشباب التونسي للقتال إلى جانبها، ولم يتردد في توجيه رسالة إلى مقاتلي داعش بارك فيها ما أسماه "فتوحات المجاهدين بأراضي العراق والشام".

وبرأي الباحث التونسي في الجماعات المسلحة علية العلاني فإن رسالة أبوعياض مشفرة تحمل "تأشيرة" من جماعة أنصار الشريعة إلى "داعش" بالتحرك في تونس وباقي بلدان المغرب العربي، وخاصة ليبيا والجزائر.

وفي غياب إحصائيات دقيقة، تقدر التقارير الأمنية والإعلامية عدد المقاتلين من أنصار داعش في تونس بـ1150 مقاتل بينما يفوق عددهم 2500 مقاتل في ليبيا، على أن عددهم متحرك نظرا لكونهم يتنقلون بين تونس وليبيا مستفيدين من حالة الفوضى التي يشهدها الشريط الحدودي للبلدين.

ووفق التسريبات فقد هدد مقاتلو "داعش" بالاستيلاء على المعابر بين تونس وليبيا وخاصة معبري رأس جدير ووازن وهما معبران يعدان شريان الحركة الاقتصادية بين البلدين.

كما أفادت التسريبات أن أبو عياض أمير جماعة أنصار الشريعة المتشددة والمتواجد في ليبيا يسعى إلى استنساخ تجربة داعش في تونس وفي بلدان المغرب العربي، غير أنه يواجه معارضة شرسة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي يتزعمه الجزائري أبو مصعب عبد الودود الملقب بـ"درودكال".

وأمام المعارضة التي يواجهها من أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يراهن أبو عياض على أنصاره الدين قاتلوا إلى جانب "داعش" في سوريا وعادوا إلى تونس، كما يراهن على "إخوانهم" الليبيين في التمهيد لحرب عصابات يقودها بنفسه في تونس.