مصر: تجنّباً للتلاعب بالدين

لا حاجة لأحزاب الدينية

في إطار استعداده لخوض الانتخابات النيابية بعد شهرين يجرى حزب "النور" تعديلات على خطابه وممارساته وتسانده في ذلك كل الأحزاب ذات المرجعية الدينية التي من المفترض أن يجرى حلها بعد إصدار القوانين المكملة للدستور.

ينص الدستور في المادة الرابعة والسبعين على أن "للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون، ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفي أو جغرافي".. إلى آخر المادة.

كان جدل طويل قد ثار في لجنة الخمسين أثناء كتابة الدستور حول اقتراح البعض إضافة "منع قيام الأحزاب على مرجعية دينية"، ولكن عملية الابتزاز الفكري بل والإرهاب الثقافي الواسعة التي مارسها اليمين الديني على المجتمع كله ومن ضمنه أعضاء لجنة الخمسين منع اللجنة بل حاصرها حتى لا تستكمل النص الضروري لتجريم عملية التلاعب السياسي بالدين، وهكذا سيبقى حزب "النور" ومجموعة الأحزاب الأخرى ذات المرجعية السلفية قائمة تمارس عملها وتشارك في الحياة السياسية، وهي الآن تسعى لوراثة جماعة الإخوان الإرهابية بعد أن لفظها المصريون الذين اكتشفوا زيف شعاراتها وحقيقة نشأتها كجماعة إرهابية، ثم ممارساتها المعادية للحريات العامة والديمقراطية ومدنية الدولة خلال عام مظلم من حكمها لمصر، هذا الحكم الذي أسقطه الشعب حين انحازت له القوات المسلحة فكانت خريطة المستقبل.

يحاول حزب "النور" الآن الذى شارك أعضاؤه بكثافة في اعتصامي رابعة والنهضة أن يتنصل من عضويته في تحالف دعم الشرعية، ويسعى إلى ضم نساء ومسيحيين إلى قائمة مرشحيه في الانتخابات القادمة، بل إن ممثله في حفل تنصيب الرئيس في قصر القبة فى الثامن يونيو/حزيران وقف حين عزف السلام الجمهوري بعد أن كانوا يرفضون الوقوف ويخرجون من قاعة الاجتماعات أثناء مناقشات لجنة الخمسين حين يجرى عزف هذا السلام ويرفضون تحية العلم!

فهل سوف ينطلي هذا التحول الشكلي على المصريين ويخدعهم فيصوت قطاع منهم لهذا الحزب ولحلفائه من بقايا اليمين الديني، أم أن الوعي السياسي الثاقب والبصيرة العميقة التي اكتسبها المصريون بعد تجربتهم المؤلمة مع الإخوان سوف ترشدهم للصواب ليتجنب الوطن كارثة أخرى من كوارث التلاعب بالدين في الشأن العام؟

لا أطرح هذه الأسئلة على المصوتين العاديين من المواطنين المصريين وحدهم، وإنما أطرحها أيضا على كل القوى الحزبية والاجتماعية الديمقراطية التي سبق لها جميعا أن تراخت بل راوغ بعضها هروبا من خوض معركة العلمانية وفصل الدين عن السياسة، بل شارك بعضهم من أعضاء لجنة الخمسين لكتابة الدستور في التواطؤ مع حزب النور واليمين الديني لإنتاج نص مائع حول مدنية الدولة وجرت صياغته بدلا من الحكم المدني ليجعل "حكومتها مدنية".

بل إن مثقفين مرموقين تجنبوا استخدام مصطلح العلمانية لأنه ارتبط في ذهن الجمهور العادي بالإلحاد دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا لتحرير هذا المصطلح من الاتهام بمعاداة الدين أو تقديم، العلمانية باعتبارها رؤية علمية موضوعية لدور الدين في الحياة وفي المجتمع ولخطر اختلاطه بالسياسة التي هي بطبيعتها متغيرة وتخضع للتقلبات والمصالح.

ولطالما علمتنا تجارب الشعوب أن الخلط بين الدين والسياسة دائما ما يؤدي إلى الكوارث وصولا إلى الحروب الأهلية التي كان اليمين الديني أثناء حكمه لمصر يدفع في اتجاهها لتمزيق البلاد وتقسيمها وفقا لمخطط يسمونه "استعادة الخلافة الإسلامية".

تستطيع الأحزاب والقوى الاجتماعية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني أن تخوض الآن اعتمادا على وعي الجماهير الثاقب معركة فصل الدين عن السياسة، ومحاصرة اليمين الديني وكشف ألاعيبه ونزعته البراغماتية الخالصة لأنه لو حصل على مقاعد كثيرة فى مجلس النواب القادم سوف يكون له قول في صياغة القوانين المكملة للدستور، وفي تحويل برنامج الرئيس ورؤيته إلى سياسات.

ولاتزال هناك فرصة - وإن محدودة - لحشد كل الطاقات من أجل خوض هذه المعركة التي ستكون فاصلة لا في حياتنا السياسية وحدها وإنما في حياتنا الفكرية والثقافية أيضا.

ولن تكون مصر رائدة في محيطها الإقليمي دون نفوذها الثقافي والفكري الذي تمارسه بعد ثلاث موجات من الثورة لتكون قدوة لبلدان تمزقها النزاعات الطائفية والدينية المدعومة من الإمبريالية، وسيكون هذا الدور الرائد مقدمة لاستعادة استقلال المنطقة التي عاشت لأكثر من ألف عام في ظل المحافظة الدينية وآن لها أن تخرج إلى التقدم والاستنارة والعقلانية لتسيطر على مصيرها.

فريدة النَّقاش

كاتبة وأديبة مصرية