الحرب تنذر بنهاية المالكي وتقسيم العراق

المالكي يدخل من الباب الخلفي للتاريخ

بيروت - ينذر التقدم المتسارع الذي يحققه المسلحون المتطرفون في العراق منذ اسبوع، بوضع حد للحكم المركزي المستمر منذ العام 1920 في هذا البلد الذي تمزقه الطموحات الاتنية والمذهبية، وتحويله في افضل الاحوال الى صيغة حكم كونفيديرالية، بحسب خبراء ومحللين.

وخلال اسبوع، شهد العراق تداخلا بين سيطرة المسلحين وغالبيتهم من تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" على مناطق سنية في شمال البلاد وغربها، ودعوات من المرجعيات الشيعية لحمل السلاح في مواجهة هذا التقدم، ومسارعة الاكراد الى وضع يدهم على مدينة كركوك الغنية بالنفط، والتي يطالبون بها منذ زمن طويل.

ويقول فنار حداد، الباحث في معهد الشرق الاوسط في جامعة سنغافورة، انه "من وجهة النظر الكردية، هذا تحول لا عودة عنه. وضع كركوك كان المسألة الاكثر الحاحا، لكنها حلت في ليلة واحدة نظرا الى تقدم الدولة الاسلامية في العراق والشام".

وفرضت قوات البشمركة الكردية سيطرتها الكاملة الخميس على كركوك (240 كلم شمال بغداد) المتنازع عليها، بهدف حمايتها من هجوم محتمل للجهاديين، ما مثل تحولا تاريخيا في هذه المدينة التي كانت تتولى المسؤولية الامنية فيها قوات مشتركة من العرب والاكراد والتركمان.

ومنذ الاجتياح الاميركي في العام 2003، طالب الاكراد بضم كركوك الى اقليم كردستان ذي الحكم الذاتي، نظرا الى ان الاحتياطات النفطية في هذه المدينة تتيح للاقليم استقلالية اقتصادية تامة، وهو ما ترفضه بغداد.

الا ان تقدم "داعش" جعل من السيطرة الكردية على كركوك امرا واقعا.

وكان رئيس وزراء كردستان العراق نيجيرفان بارزاني شديد الوضوح الثلاثاء بقوله لهيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي"، انه "من شبه المستحيل" ان يعود العراق لما كان عليه قبل سيطرة العناصر المتطرفين على الموصل، ثاني كبرى مدن العراق قبل اسبوع. كما اعتبر ان للسنة الحق في اقامة منطقة خاصة بهم على غرار مثل كردستان.

ويرى حداد ان "الاكراد كانوا على درب الاستقلال، الا ان عددا محدودا جدا من العرب العراقيين، أكانوا سنة ام شيعة، كانوا يحبذون الانفصال".

ويضيف مؤلف كتاب "الطائفية في العراق: رؤى مضادة للوحدة"، ان "الاحداث الاخيرة تدفع الى فصل رسمي او غير رسمي. لم يسبق لاحتمال تقسيم المناطق العربية في العراق ان كان كبيرا الى هذا الحد".

ونشأ العراق في صيغته الحالية في العام 1920، ونال استقلاله في العام 1932. ووسط الخلافات العميقة وانتقال السلطة بعد 2003 من السنة الى الشيعة، بقي العراق تحت حكم سلطة مركزية، على رغم الوضع الاستثنائي لاقليم كردستان منذ العام 1991.

ويقول المحلل في مجموعة "آي كاي إي" البريطانية جون درايك ان "عراقا موحدا ليس مستحيلا، لكنه امر قليل الاحتمال. باتت الانقسامات شديدة العمق. الحدود الداخلية التي كانت موجودة بفعل الامر الواقع تبدلت، وبات من المحتمل ان تصبح حدودا فعلية في السنوات المقبلة".

وكان مبعوث الامم المتحدة الى العراق نيكولاي ملادينوف اعتبر الثلاثاء، ان تقدم المسلحين في الايام الماضية يشكل "تهديدا لبقاء" العراق، و"خطرا جديا على المنطقة".

الا ان الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الاوسط آرثر كيزني، يرى ان هذه العوامل لن تؤدي بالضرورة الى انهيار كامل. ويقول "يمكن العراق ان يبقى على اساس قاعدة قومية، لكن وفق نظام فيديرالي او كونفيديرالي بعد مفاوضات وتوافق بين بغداد ومختلف اللاعبين. الدستور يجيز ذلك".

ويضيف هذا الباحث الذي يعد اطروحة عن الصراعات الداخلية العراقية، ان "غالبية اللاعبين العرب السنة، بمن فيهم المشاركون في الاحداث الاخيرة، هم قوميون. يريدون تقاسما اكثر توازنا للسلطة، وحكما ذاتيا سياسيا وداخليا في مناطقهم".

ويرى الخبراء ان جذور الوضع الراهن تعود الى الاجتياح الاميركي الذي ادى الى الاطاحة بالرئيس السابق صدام حسين، تضاف اليه السياسة ذات الطبيعة المذهبية الذي اتبعها رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي.

وتقول الخبيرة في الشؤون العراقية ربى الحصري ان "الاميركيين فككوا المؤسسات، لكن المالكي سيدخل التاريخ لكونه السياسي الذي فقد أجزاء من العراق. خلال عهده، فقد العراق سلامة اراضيه".

وتضيف "ان المستقل السياسي والاقتصادي والنفطي يتوقف على قدرة مختلف المكونات السياسية، الشيعية والسنية، على الحفاظ على وحدة اراضي هذا البلد قبل ان يغرق المركب بالجميع، لكن ثمة شكوك منطقية في ذلك".

وترى الحصري ان "الامر الواقع الذي فرضه الاكراد \'في كركوك\' سيكون مصدرا دائما لعدم الاستقرار في العراق".

وقام بول بريمير الذي عينه الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش "رئيسا للادارة المدنية" في العراق بعد سقوط بغداد، بتوقيع مراسيم متعلقة باجتثاث البعث وحل الجيش العراقي في ايار/مايو 2003، ما ادى الى هدم المؤسسات العراقية.

ويرى كيزني ان "الاميركيين دمروا الدولة ونشطوا اعادة التكوين المذهبي للبلاد، وكل اللاعبين السياسيين لجأوا الى الخطاب المذهبي او الاتني لفرض انفسهم على الساحة السياسية".

ويضيف بان "نوري المالكي تصرف وفق اعتبارات مذهبية بتهميشه النخب السنية التي وجدت نفسها ظهرها الى الحائط".