غذاميات

الانخراط التأصيلي يستفز في المتلقي حاسة الشك

يبدو الغذامي ظاهرة ثقافية لمثقف نيستولوجي. ظاهرة مرتبكة بهوى تراثي ونظارات حداثية. تغترف من معين النقد الحديث وترطن بمصطلحات مستوردة، لكنها مسكونة بهاجس الانغراس. في قلب الظاهرة يمتزج المنفى والوطن، هناك خيانة تتبع كل فروسية نقدية، إنه الاغتراب وتعب النفي وترحال الثقافة الدائم، تعب الغذامي وآن أن يستريح.

الفكر – كما هي الكتابة عند دريدا - تيه في صحراء، والتيه مشقة للمثقف النيستولوجي، ذلك المثقف المثقل بأعباء الذاكرة والحنين. وكما لو كان المخلص بحاجة إلى خلاص لا ينفك المثقف المصاب بالوهن يستبدل تعريفا بآخر، فعوض ابتكار المشكلات والكينونة خارج المكان، يتحدد المثقف النيستولوجي في تعريفات تنتشله من الغربة لتضعه في السكينة.

يقتحم النسيتولوجي النص، ولكن لغرض العودة. هكذا يعود الغذامي منكفئا من النقد البنيوي وغربة الحداثة إلى ميراث الأسلاف، هذا القادم من ردهات أكاديمية والذي تختبئ تحت ثوبه ربطة عنق، والمجهز بعتاد نقدي ضخم، يجهز بضربة محافظة على كل التحديدات الراديكالية التي نحتها أمثال دولوز ودريدا، لم يعد الفكر رحيلا وسفرا في المجهول وإنما عودة، رجوع أو توبة، كما لا يتحدد الفكر بصفته صيرورة دائبة في التحول بل حركة في دائرة مغلقة، ليست المفاهيم صيرورة بلا جسد كما في تصور دولوز، الفكر هنا تثبيت للكينونة، أو هو في أحسن الحالات انهماك دائم في تدوير الزمن، الفكر هنا يتقهقر إلى تأصيل، لا تصير المفاهيم ولا تعد بالمجهول، وإنما تتأصل.

من النقد إلى التشريح إلى التأصيل، تلك هي السيرة الغذامية، في كل فقرة من فقرات النص الغذامي ثمة لمحة تراثية، كل شيء ينبغي أن يتأصل، ينتشر الهوس التأصيلي في كل كتابات الغذامي، منذ "الخطيئة والتكفير"، الكتاب المركزي والذي يمثل ذروة التجليات النقدية وفاتحة الانهماك "التتريثي"، حيث يتحرك الخطاب بين ترجمة المنجز المعرفي المعاصر، وتأصيل لهذا المنجز الأجنبي بين هلالين، ومثل أي مثقف آخر مسكون بالهوية، يخوض معترك النقد متأرجحا بين اقتباسات متغايرة، تندغم الاقتباسات من مرجعيات معرفية متضاربة، في إيقاع ثابت يتواصل على مدار النص، وكما لو كانت الاقتباسات البنيوية تذوب في اقتباسات تراثية، لا يقتبس الغذامي من سوسير وبارت وغيرهما إلا لتأكيد الأسبقية "السلفية" الدالة أكثر من أي شيء آخر على الخاصية النيستولوجية: لا تقلق أيها القارئ، فنحن سبقناهم، لدينا الجاحظ والجرجاني والغزالي، إن المنجز النقدي الحديث ليس سوى بضاعة ردت إلينا، وبهذا يكون الفكر النقدي النيستولوجي في بيته.

أمام هذه المخاتلة تحتجب أسئلة وتتوارى خلف "المسكوت عنه" وبحفر بسيط في "الخطيئة والتكفير" تتفجر أسئلة منهجية تتعلق بالضرورة والجدوى المعرفية، فإذا كان على خطاب الغذامي أن يجاور بين الاقتباسات بأن يشفع كل اقتباس نقدي من الخطاب الفكري المعاصر باقتباس تأصيلي، فما هو المسوغ إن لم يكن الهدف الاستئناس، ما الداعي لكل ذلك "الحشو"، يكفينا العمل على التراث لاستخراج ما نحتاجه من كنوز نقدية.

لدينا ابن خلدون فما حاجتنا لأوغست كونت وإيميل دوركهايم وسان سيمون، لدينا نظرية النظم للجرجاني فما حاجتنا للنظريات السياقية والأسلوبية الحديثة؟

إن الانخراط التأصيلي يستفز في المتلقي حاسة الشك، بدءا من التأصيل في النظرية وانتهاء بالنموذج الذي استمده الغذامي من نصوص "حمزة شحاتة"، مرورا بمدى استيعاب تلك الترسانة النظرية الممهدة لإقامة نموذج "الخطيئة والتكفير"، وهو القسم التطبيقي في الدراسة، القسم الذي تكشفت فيه هستيريا التأصيل واشتدت فيه نزعة الحنين إلى التراث، بحيث يرتبك الخطاب بين نزوع علمي يقتلع النموذج من أرضيته وبيئته الميثولوجية من جهة، ونزوع ايماني يستعيد قصة "آدم وحواء" دون أي محاولة للترميز أو التأويل لكي يقيم عليها النموذج، من جهة أخرى.

لا يفعل الغذامي شيئا منكرا حين يقتبس، فنحن لا نتحدث إلا بين هلالين، وفقا للمقولة الشهيرة لباختين، لكن الغذامي هنا كما في كتبه الأخرى، لا يقتبس مباشرة من المتن، كما لا يكتفي بالتأصيل والحنين للتراث مع كل "استعارة أجنبية"، وإنما تحتشد في نصه المراجع الثانوية، في كبوة صادمة "لفارس النص"، لنتخيل فداحة الموقف، قامة نقدية كالغذامي لا يقرأ النص مباشرة وإنما يقرأ قراءه.

الغذامي إذن لا يستعير جهازه النقدي في أكثره من مصادره المباشرة، وإنما يقف في سلسلة ممتدة من الاقتباسات مما يخل بمتانة البحث، أليس في ذلك ما يستثير فينا شهية الشك والارتياب؟

هل أصاب الغذامي – مثلا - بترجمة مصطلح "الغراماتولوجيا ”Grammatology” إلى "نحوية"، عوض "علم الكتابة" وهي الترجمة التي اختارها أنور مغيث ومنى طلبة في ترجمة مشفوعة بتوطئة لتسويغ المصطلح صدرت عن المركز القومي للترجمة.

صيرورة المثقف إلى داعية كبوة أخرى لفارس النص. ليس المثقف الاشكالي وحده من يفتح في جدار النظرية نوافذ الالتزام، المثقف النيستولوجي أيضا معني بتحويل النظرية إلى واقعة تتجسد في محاولة تشبه محاولات حراس الفضيلة الهادفة إلى "تديين المكان" وفقا لمفهومهم الخاص، لهذا لم يتردد الغذامي في كتابه الأخير "الليبرالية الجديدة" وفي نضالية احتسابية، في نسف كل واقعة ليبرالية، لغرض في نفس يعقوب، فالليبرالية تحريف للحرية وقيم انسانية أخرى كالعدالة والمساواة، إنها "مصطلح موشوم" بالممارسة الثقافية والحزبية، مصطلح مريض لا يشفيه إلا السقوط مجددا في الهوس التأصيلي، لنجد أنفسنا أمام تصالب شديد بين الغذامي الداعية والمنافح عن التراث والغذامي الليبرالي النيستولوجي، الذي يمسك في يد "بنيوية بارت" وفي أخرى ليبرالية مختزلة إلى وسطية مستمدة من التراث فيما يشبه الترضية لخصوم الأمس!