المغرب: تحصين الأمن الروحي جزء من الأمن القومي

المغرب يُؤمِّنُ مستقبل أمنه الروحي ويعمل من منطلق سياسة استباقية، كانت أمنية وتعززت بمرتكزات التنمية والحقوق السياسية والاجتماعية، وفي خطوة تابعة أشَّرَ الملك محمد السادس من موقعه الديني على "خطة دعم".

خطة تعبر في جزئها الأساسي على تحصين المساجد من أن تمسها لغة التطرف إن سلوكا أو خطابا، وتدخل في عمومها ضمن استراتيجية الدولة البعيدة المدى لمحاصرة المد المتزايد للجماعات المنتمية للفكر والممارسة الجهادية.

موجة راديكالية نرى امتداداتها في منطقة الساحل والصحراء وليبيا، وسوف تزداد توحشا مع ما يحدث في سوريا، وبعدما لاقاه الجيش العراقي وإن كان ضعيف التكوين والجاهزية على يد "داعش".

لا تخرج ما أطلق عليه "خطة دعم" التي دشنها العاهل المغربي مؤخرا عن شيئين: الأول، ضبط المجال الديني بما يتناسب وسياسة الدولة المغربية المحتكمة إلى مؤسسة إمارة المؤمنين لكي لا يتم العبث بمجال الفتوى. الثاني، تأطير المشرفين والمستفيدين داخل مربع مذهب مالكي قاعدته الذهبية المصالح المرسلة، التي تروم جلب المنفعة ودرأ المفسدة.

في مساحة واسعة من الفهم العميق للمستجد من الأمور بما لا يتناقض والحقوق الشخصية والعامة. وذلك من اجل وضع حد لأي اختراقات محتملة سواء كانت فكرية متطرفة، أو دعوة مباشرة لاستعمال العنف في الهوامش.

إبعاد الخطر بتحصين الداخل وتصدير النموذج الديني المغربي المتسامح للخارج. يعتبر من التحديات التي تواجه المملكة على مستويات عدة إقليميا ودوليا. إذ أن إبعاد الخطر لم يعد فقط من خلال القوة النارية، فاعتمادها لم يغني من تجدد القتال في شمال مالي مثلا، وهذا ما راهنت عليه فرنسا. المغرب كانت أولويته في مسألة التعاون في محاربة التطرف، إدراج البعد الديني والتنموي في مقاربته الأمنية.

ما يهم المملكة هو ضمان عدم وصول شرارات الحرائق المنتشرة في بقاع أخرى أخلفت الوعد في التعامل الواقعي والصارم مع العامل الديني. لا يعني هذا تنصلها من واجب الدفاع عن قيم السلم والاستقرار والحفاظ على سيادة الدول. هذه الدول التي تنتهك الآن سيادتها بدواعي متعددة.

الصحراء المغربية تعتبر محورا هاما في سياسة الأمن الروحي المغربي الداعم للأمن القومي. وباعتبار الامتدادات الجيوثقافية من صحراء المغرب في اتجاه العمق الإفريقي، فليس غريبا أن تنهج الرباط سياسة قائمة على ربط التواصل الديني والثقافي والاقتصادي والتنموي مع مجموعة دول غرب إفريقيا.

هذا التواصل المبني على خطة تأخذ بالاعتبار التوازنات الإقليمية والدولية، دشنه الملك محمد السادس في زيارات متعددة لتلك الدول وإبرام اتفاقات تتراوح بين ما هو ديني واقتصادي وتنموي، في تكامل واضح بين هذه المجالات خدمة للأمن والاستقرار.

أمام التحولات الدراماتيكية التي تمر منها المنطقة العربية من سوريا والعراق مرورا باليمن وصولا إلى ليبيا، ولن نحذف ما يحدث في جغرافية واسعة من إفريقيا من اقتتال طائفي ومذهبي. كان ضروريا أن يأخذ المغرب في إتمام ما بدأه منذ وقت طويل في هيكلة الحقل الديني كأولوية إستراتيجية لمواجهة كل التداعيات، خصوصا وان هناك مغاربة انخرطوا في الحرب بسوريا.

هذا الانتباه المبكر الذي أبانت عنه الدولة في خطورة عدم مراقبة الحقل الديني وضبطه عمليا. كان من الأساسيات التي حصنت الجسم المغربي من الدخول في دوامة صراعات يكون فيها التأويل والتأويل المضاد هو صاحب الكلمة.

فمجال التأويل تكمن خطورته في سرعة انتشاره وقوة تأثيره، وعلى إمكانية استغلاله لأغراض إيديولوجية وسياسية تخدم أطراف مناوئة.

لهذا فالتنويه بما حققه المغرب في هيكلة جديدة للحقل الديني يستتبعه تأطير وتأهيل القيمين عليه من خلال مؤسسات دينية حقيقية وذات إمكانات علمية ولوجيستية معتبرة. وذلك للإجابة على أسئلة راهن المجتمع ومآلاته، أسئلة تطرحها فئات من المجتمع تجد أن ثقافتها وهويتها وعقيدتها تنتهك.

فالأمن الروحي كان دائما من الأمن القومي المغربي. ولكي لا يتم تهديد هذا الأمن في معاقله، كانت الخطة التي أعدها المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تتحدد معالمها في أربع مرتكزات نجدها متكاملة في: -1- تعزيز التدابير الوقائية والتنموية. -2- تعزيز التجهيز والتأطير لتحصين النظام الديني العام. -3- تكوين شبكة معلوماتية مندمجة من أجل التواصل وتحصين مكونات الشأن الديني. -4- تحسين برنامج محو الأمية.

تأسيسا عليه فالمغرب لم ينقض مسلسله الديمقراطي حتى في تفصيل وصول الإسلاميين إلى تدبير الشأن الحكومي، يعني أن بناء الأمن القومي المغربي يسير على محورين غير متصادمين. تأمين الداخل من أي فصيل يريد الاستئثار بالمجال الديني، وتأمين المحيط حتى ولو كانت حدوده غير مرسومة.

كل هذا نقرأه في إطاره العام الذي تتحرك فيه الدولة المغربية المرتكزة على عقيدة أشعرية لا مكان فيها لتكفير الأفراد والجماعات. ونقرأه في إشارات مرحلية، من ضمنها زيارة العاهل المغربي لتونس بعد حراك 2011، وإلقائه خطابا من داخل مؤسسته البرلمانية، واستقباله لمن يمثلون التيار الحداثي.

إشارة إلى أن المغرب يدعم الديمقراطية، ويؤمن بالتغيير، ولا يستسيغ الإقصاء، ويحارب التطرف، ولا يتسامح مع انتهاك السيادة.