الفجوة بين الدِّين والمتدينين

أخطر تجارة عندما يُصدر الدين بضاعة سياسية

جاء الإسلام، كغيره من الأديان السماوية، لتعليم الناس أموراً كثيرة قد يعجز العقل البشري عن الوصول لها بقدراته المحدودة. فمن عدل الله تعالى أنه علمنا كيف نعبده عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام.

لأن الله تعالى يعلم أن هذا الإنسان قد يقوده عقله المحدود لرسم خارطة طريق خاصة به يحاول من خلالها تصور الخالق سبحانه وتعالى والاجتهاد بعد ذلك في التواصل معه عبر منهج من صنع العقل البشري، وهنا تكمن الخطورة التي عبر عنها الحديث الصحيح «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار». وقد عرف الإمام الشاطبي رحمه الله البدعة الشرعية بقوله: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه".

المحور الثاني الذي جاء به الإسلام هو التعامل مع البشر، فهناك أخلاق فطرية سادت عبر العصور تقبلها الفطرة السوية فالناس تقدر الكرم وتحتقر البخل، تحب الأمانة وتكره الخيانة، والأمثلة على ذلك كثيرة، وكما أن الإسلام جاء معززاً لهذه القيم الجميلة حرم علينا كمسلمين الكثير من الجرائم والتي من أخطرها سفك دماء الناس واستحلال أموالهم وأعراضهم والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة ومشهورة، ملخص هذه المقدمة أن الإسلام أوضح لنا منهج عبادة الله تعالى وطرق التعامل مع البشر.

للأسف الشديد، ومع تقادم الأزمات، ظهرت البدع في العبادة، والابتداع في الفكر الديني، وكلاهما منزلق خطر، الأول منهما يشوه العلاقة بين الإنسان وخالقه، والثاني يدمر العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، ولذلك حرمه الإسلام.

حديث البدع الوارد ذكره في مقدمة المقال جمع الأمرين معاً في لفظ معجز من حديثه عليه الصلاة والسلام، فنص الحديث «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة.. فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي، وسُنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

ففي الحديث تحذير من الضلالة بالانحراف في العقيدة والعبادة والسياسة والفكر. وهذا للأسف الشديد سر انحراف هذه الأمة منذ القدم، ففي عصر الخوارج كان انحرافا في الفكر قادهم إلى الخروج على الحاكم مما لطّخ أيديهم في دماء خير البشر، وقاد الأمة إلى انحرافات كثيرة ومفسدة كبيرة مازالت بعض جروحها نازفة إلى يومنا هذا... ونفس الدور لعبه اليوم بعض المتدينين المنحرفين في فهمهم للإسلام، فقد تحزب بعضهم في أحزاب أعلنت أنها دينية تهدف إلى الإصلاح وإنقاذ الناس من الضلالة إلى الهدى، وقد خدع الكثير من أبناء هذه الأمة بمثل هذه العبارات التي كانت في حقيقتها تخفي من ورائها أجندات سياسية هدفها السيطرة على الدول العربية والإسلامية، وإنْ كان لما يعرف بـ«الربيع العربي» من ثمار، فإن من أهمها كشف الأقنعة عن وجوه كان الناس تتعامل معها بكل ثقة على أنهم نخبة مفكرة ترنو إلى الخير عبر الموعظة الحسنة، وإذا بهم عندما تنكشف الحقيقة فكر وراءه سياسة منقبة ببراجماتية غربية غريبة عنا وإن لبست عباءة الشعارات الإسلامية. هذا النوع من التدين ينبغي التصدي له، لأنه يخفي في حقيقته نار الحرب الأهلية المستعرة اليوم في بعض الدول العربية، ومعاملة أهله معاملة الأحزاب السياسية، فينبغي علينا مثلاً ألا نعامل جماعة «الإخوان» العالمية أو السلفية كجماعة دينية، بل كأحزاب سياسية، لها أجندات عالمية. وهنا لابد من التمييز بين المتدين بفطرته السوية وبين المنتمين إلى تلك الجماعات الفكرية ذات الأجندات الخفية.

خليفة علي السويدي

كاتب إماراتي