السيد الأسود يكشف سيناريو الظاهر والباطن في المجتمع القروي المصري

العلاقة المتشابكة والمتداخلة بين الكون والحياة

أدرك الإنسان الأول في بدايات ظهوره على كوكب الأرض أنه بيد قوة غيبية لا قبل له بمجابهتها، فخافها؛ ولم يك مرد ذلك الإدراك لهذه القوة الغامضة في تفكيره ولا ذلك الخوف الذي وجده في روعه إلى أنه لم يستطع مقاومة عناصر الطبيعة حين تثور غاضبة في وجهه بعامل من عوامل ثورتها المتمثلة تارة في الأعاصير أو الفيضانات تارات أخرى، أو أي آفة من آفاتها الحسية فهذه كلها رغم أنها كانت تخيفه إلا أنه كان يمكنه أن يتقي شر مخاطرها بالابتعاد عن مسارات حدوثها باللجوء إلى الكهوف والاحتماء بها في حالة هبة الأعاصير، وبالابتعاد عن المنخفضات ومجاري المياه في حالات تدفق الفيضانات عبر الوديان النهرية.

إن الذي أخاف الإنسان الأول عامل لم يستطع اتقاء شره، ولم يجد منه مهرباً فخافه وتوسل إليه، إلى ذلك الجبار الذي قهر إرادته في يسر وأناة بلا ضجيج أو جدل غير مرئي بحس البصر، لا يدركه لكنه يلمس أثره، ذلك الزائر بلا استئذان المتمثل في "الموت"، ولما حار في صده عنه لجأ بمحض الغريزة إلى التوسل إليه، ولم يك توسله نابعاً عن محبة أو مداهنة، فإن تفكيره البسيط البدائي في ذلك الوقت، لم يك قد توصل بعد إلى أعمال الحيل التي تتطلب درجة من الوعي ونوع من العمليات الذهنية المعقدة، وأيضاً تصور عما يراد إجراء الحيلة عليه، لم يك في مقدور ذهنه في تلك الحقبة السحيقة من تاريخ البشرية من التوصل إلى تلك العمليات المعقدة من التفكير المتقدم، وقتها لم يكن قد توصل إلى تلك العمليات من التفكير الراقي.

ولم يكن له خيار إنما هي رهبته التي قادته إلى الخضوع وأداء نوع من توسل بتمتمات وجدان مرتجف غير عاشق بل خائف، وتبعت التعابير البدائية التي لم يتوصل إلى معرفة طلاسمها، لأنه لا يوجد منها مفردة أو نص يمكن من وضع اليد عليه حتى يمكن تحليلها لكن سببها معروف، ولما كان نوع من التوسل والخضوع لمن هو أقوى فهي نوع من العبادة وإن كانت بدائية ، وهذا أول صلة للإنسان بالدين.

وإن لم تأخذ المنحى المسمى "الدين أو التعاليم" التي تعرف عن الأديان، لأن هذه المرحلة في تلك الحقبة هي مرحلة ما قبل التفكير المنظم أو التعاطي مع المفاهيم، هي مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الظلام الأولي، وسلك الإنسان عن غير قصد منه في محاولة لإيجاد تفسير لما يدور حوله من متعلقات الموت، وكان الخيال هو كل ما يملك من وسائل تلمس التعرف على ما لم يدركه، ولم يكن خيالا ناضجاً بل خيال بدائي، وقاده تفكيره البدائي البسيط هذا إلى محاولة وضع تصورات عن ما يدور في محيطه، هذه العملية برمتها من الإحساس بالخوف، التي أدخلته إلى روعة مشاهدات مظاهر الموت، بشكل مستمر في حياته، جعلته يعتقد أن وراء ظاهرة الموت، قوة تحركه فلجأ في محاولاته وتخبطه إلى سلسلة طويلة وعبر حقب زمنية عديدة من التجريب البدائي من الاعتقاد.

ومع مرور الأزمان والحقب أمكن لكل أمة أن تتشكل لديها، منظومة شاملة محكمة خاصة بها من الرؤى والتصورات والتفسيرات لظواهر الكون، بدرجات متفاوتة، نسبة لتفاوت درجات وعي الأمم بسبب تفاوت تعرضها لخبرات التحديات وعوامل الاختبارات في رحلتها وصيرورتها عبر تجاوزات الزمن من ابتلاءات، حدث ذلك التطور قبل التوصل لمرحلة شكل الأديان البسيطة الساذجة بزمن سحيق، وإن كل أمة بدأت تطور نماذج تطور تصوراتها عبر الأهازيج.

وتبع مرحلة الأهازيج مرحلة دخول الرموز كنوع من التعبير الغامض اضطلع به الكهان ومزاولو السحر في مرحلة ما من التقدم البشري بعد نضوج تجربتها على نحو ما، ونسبة لاختلاف البيئات وتنوع اللغات وتباعد جغرافيات المناطق عن بعضها البعض، وانعدام التواصل بينها انقطعت كل أمة عن الاخرى، وبدأت عملية تطوير تصورات تأخذ نشأة أخرى وكذلك تطورت المعتقدات ونمت لديها خصوصيات من تلك المعتقدات، ومع مرور الأزمان ظهرت الأديان والرسالات السماوية في وقت متأخر جدا من تطور البشرية، ومع تنامي وتعقد التفكير الإنساني وتشابك مدخلات التصورات ظهرت أساليب أكثر تعقيداً لتبيان مكنونات ومخبوءات النفس.

وفي هذا الإطار يطرح كتاب "الدين والتصور الشعبي للكون" من تأليف وترجمة السيد الأسود موضوع التصورات الشعبية للكون التي تمثل أهمية خاصة في فهم ثقافات الشعوب وفلسفتها خاصة فيما يتعلق برؤى العالم وأنماط التفكير وأنساق المعنى وأشكال التعبير الرمزي والمجازي والدلالات الرمزية للواقع الاجتماعي والأبعاد الرمزية لعملية التغير الثقافي وهوية المجتمعات المحلية خاصة بعد أن زادت التحديات التي تواجهها والمتمثلة في ثقافة العولمة التي تسعى إلى الهيمنة وفرض أيديولوجية رأسمالية واستهلاكية ذات نمط عالمي واحد.

وتحتل دراسة العلاقة المتشابكة والمتداخلة بين الكون والحياة أو المجتمع والفرد مكاناً بارزاً في الدراسات الأكاديمية الاجتماعية والإنسانية على المستويين الفردي والجماعي. كل ما برز على صعيد تطوير المسيرة البشرية يقع في إطار ما هو نتاج عمل بشري لم تكن في مراحله الأولى والوسيطة من نتاج الدين كمؤسسة لها مرجعيات خاصة ومصادر فوق إدراكات البشر؛ إذ أن الطبيعة البشرية لها قصور لا بد من متممات تكمل لها هذه الفجوات وثغرات كي تمكن البشرية من مواصلة السير بعيداً عن انحرافات الضلال هذا من منظور رؤية الدين لعمل التفكير البشري وقصوره.

ويعالج الكتاب مشكلة هامة وهي كيف استطاع الانسان المصري غير المتخصص أو الفلاح أن ينظم داخلياً المعتقدات الدينية مضيفاً إليها معتقدات محلية ورؤى كونية وفلسفية قديمة وأخرى جديدة نجمت عن احتكاكه بالنخبة المحلية وبالثقافات الأخرى عن طريق الهجرة الخارجية المؤقتة والتعليم والمثاقفة والإعلام ووسائل الاتصال السريعة وغيرها من عناصر متنوعة وهي مشكلة معقدة ومتشابكة ابتعدت عنها العلوم الاجتماعية وانشغلت بالدراسات التخصصية التجزيئية والكمية على حساب المعنى والتنوع والتكامل المعرفي والثقافي.

ويتناول الكتاب أيضاً بعض المشاكل التي تتعلق بموضوعات هامة مثيرة للجدل في الأوساط العلمية والتي تتمثل في العلاقة بين الرموز العامة والرموز الشخصية أو الخاصة وعلاقاتها بموضوعات مثل الظاهر والباطن والمجتمع والفرد والرجل والمرأة والدين والسحر والمسجد والبيت والروح والمادة والشخصية والنفس (الذات) والملاك والشيطان والإنس والجن والبركة والحسد والعقل والجسد.

وبالرغم من أن الكتاب يركز على أحد المجتمعات المحلية في مصر فإنه يعالج مشاكل تطفو على سطح المجتمع المصري بخاصة والمجتمعات العربية التقليدية بعامة، وبالتحديد تلك التي تتمحور حول العلاقة بين الحداثة والتراث والعلم والتقاليد والتقنية والمعارف الشعبية والمعلوم والمجهول والعقل والخرافة.

وتأتي هذه الدراسة في مرحلة تاريخية حرجة تمر بها المجتمعات العربية متمثلة في الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية التي تمخضت عنها توجهات غربية جديدة غير مسبوقة مخلفة أكواناً جديدة أحدثها ما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير.

والمشكلة هي أن بعض المفكرين بالغرب يحاولون التركيز على الديناميت الثقافية والسياسية الداخلية في منطقة الشرق الأوسط مهمشين دور القوى العالمية العظمى ورؤاها التي ظهرت في تحليلاتهم كما لو كانت تقف موقف المتفرج وهذا التهميش المتعمد للقوى العظمى يأتي بغرض إلقاء اللائمة على الثقافات المحلية والعلاقات الداخلية المتصارعة بين مجتمعات أو أقطار الشرق الأوسط والتي أدت حسب ادعائهم إلى الوضع الراهن المتردي.

إن الدراسات العربية بل والعالمية السابقة حول الشخصية المصرية أغفلت بعض رؤى العالم والتصورات الكونية إذ انشغل بعضها في رصد بعض مظاهر السلوك الفردي الذي أعرض لتغيرات ناجمة عن الأحداث السياسية والتقلبات الاقتصادية ليعمم منها مركزاً على الجوانب السلبية من الشخصية دون الجوانب الأخرى بحيث يصدم القارئ لمدى التدهور الأخلاقي والسلبية بل والاكتئاب الذي بلغته الشخصية المصرية المعاصرة على حد زعم من قام بمثل هذه الدراسات. وانشغل البعض الآخر في توجهات شيفونية تضخم من حجم الشخصية المصرية استناداً إلى دراسات تاريخية وأدبية تم التركيز في معظم الأحوال فيها على الإنجازات دون الإخفاقات.

وقد ناقش الكتاب موضوعاً جد جديد وهو إلى أي مدى ترتبط التصورات الكونية بأبعاد مكانية سواء أكانت عامة أم كونية أم خاصة ومحلية ذات دلالات ثقافية عميقة المغزى تخرجه من أن يكون أسيراً لعبقرية المكان لينفتح على عبقرية الممكن فالمجتمع المصري يضفي دلالات ثقافية.

يذكر أن كتاب "الدين والتصور الشعبي للكون" تأليف وترجمة السيد الاسود صدر ضمن مطبوعات مكتبة الاسرة بالقاهرة. (خدمة وكالة الصحافة العربية)