تراجع دور الدولة المفترض: ليبيا واليمن نموذجاً

من بداهة القول بأن هناك نقاط تشابه واختلاف بين مسببات ومألات تلك الثورات التي وئدت في مهدها وأجهضت من قوى داخلية وإقليمية، وليس هذا من قبيل الإقرار بنظرية المؤامرة التي دأب العرب على تعليق قضاياهم على مشجبها وكما يقال "الاسطوانة المشروخة"، ومن هنا فأي مراقب ومحلل سياسي لا شك سيرى بالفعل أموراً متشابهات بين تلك المحطات ولا سيما في ما يتعلق الأمر بالحالة الليبية مع نظيرتها اليمنية، اللتين تشهدان احداثاً درامية متلاحقة.

ففي ليبيا حكومتان في آن معاً وجيشان إلى جانب المليشيات، وعاصمة في الشرق الليبي بنغازي، والبرلمان هو الآخر منقسم على نفسه ولا يستغرب أن يترحم البعض على عهد الديكتاتورية (الزعيم القذافي)، وهو الأمر نفسه في اليمن.

فالجيش قد تمت قولبته خلال عقود ليكون منمطا وفق رؤية معينة، ورغم الاتجاه لما عرف بإعادة هيكلة الجيش بمساعدة دولية إلا ان ذلك يلاقي صعوبات ومعوقات في للتحول الوطني المفترض، مقرونا بأعباء وطنية ملقاه عليه منذ نحو ثلاث سنوات حيث غدا مستهدفا من تلك القوى التي تتعارض وتتداخل في أهدافها مع توجهه المفترض، وهو في حالة كر وفر معها من أفراد القاعدة او عناصر الحوثيين.

ناهيك عن ان الحالة اليمنية تتفوق على ليبيا في بعض التفاصيل فالنظام عملياً لم يسقط حسب ما عرف بالتسوية التي عرفت بالمبادرة الخليجية، وقد يستغرب المتابع غير اللبيب بأن المشهد السياسي يغوص بالمتناقضات منها وجود رئيسين فعليين في آن معاً فكيف يجتمع سيفان في غمد واحد؟

فهناك رئيس لدولة مهلهلة انهكت من داخلها فالدولة العميقة هي ذاتها دون زيادة او نقصان. وهناك تنظيم سياسي مع زعيمه غدا أهم من الدولة ذاتها، فله قنواته الإعلامية وصحفه ومستشاريه بعد ان انشطر النظام لفصيلين شبه متناقضين!

وفي المقابل هناك رئيس توافقي قذفت به الأقدار لسدة المدفع ومواجهة سلسلة من الصعوبات والعراقيل يتفنن بها المتلاعبون والمتناقضون في المشهد اليمني الذي عرف بهوس المتطلعين للسلطة ولو على أشلاء بقايا شعب، في اليمن حكومة معظم عناصرها يفترض أنهم مما يسمى النظام السابق ومع ذلك لم تسلم من التجاذبات بغرض عرقلة مسيرتها لتبدو ظروف ما قبلها أفضل، وهذا ما يحصل عندما يردد الغوغاء (سلام الله على عفاش) ويقصدون بعفاش اسم أسرة الرئيس السابق الذي عاد لاسمه الأصلي بمجرد اندلاع الثورة ضده!

ما يدعو للسخرية والاستغراب أن ترديد مثل هذه العبارات الممجوجة لها دلالاتها الإعلامية والنفسية لدى قطاعات كبيرة من الشعب اليمني وليست عفوية بغرض التأثير على مزاج سواد الشعب الذي يتجرع مرارة التحول من سوء الخدمات وقلتها بل وندرتها، ورغم ذلك لا زال البعض يحن لأيامه بفعل التأثير الديماغوجي للآلة الإعلامية للنظام السابق..وكأن اليمن قبل أحداث الثورة كانت تنافس سويسرا في النظام والإدارة وفرض القوانين ونحو ذلك والأمر عكس ذلك تماماً فلو تم تأسيس مداميك دولة مدنية لما حصل كل هذا أصلاً.

في اليمن حكومية توافقية أنهكتها التجاذبات والمناكفات ومكايدات اللاعبين السياسيين، فإذا كان في ليبيا والعراق مثلا تعاني حكومة المركز مفاجآت تصدير البترول خارج إرادة الحكومة المركزية فإن الأمر في اليمن اخطر بكثير حيث تفجر الأنابيب قبل ان تصل لميناء التصدير، مقرونة بتفجيرات ابراج الطاقة الكهربائية، فمن لديه إشكال او تذمر من الدولة يتجه لأعمال تخريبية في وضح النهار لقط التيار الكهرباء، وكأن اليمنيين ينحرون أنفسهم من الوريد الى الوريد، وإذا كان في ليبيا والعراق وسوريا عنف في ظل استمرار الكهرباء فأن الطاقة في اليمن غدت عدوة لكل الأطراف فمن له رؤية مغايرة لتوجه الحكومة عليه بتدمير الكهرباء انتقاما، والسؤل كيف يكون الأمر في حال تحول اليمن فعلا للدولة الاتحادية، فذلك بداهة سيولد مشاكل وصعوبات لا يمكن توقعها.

من ضمن مفارقات الربيع العربي في نسخته اليمنية أن النظام السابق لا زال في الواجهة بلعب دوراً سياسياً فاعلاً في حين أنصار النظام السابق في ليبيا خلف القضبان او قضوا نحبهم، وفي جزئية حلول في غير محلها توجه هذه الدول لحلول فدرالية بعد تجارب مريرة للمركزية المطلقة سواء كان في العراق او ليبيا او اليمن الذي أفضى الحوار الوطني الطويل الى الى مقترحات ودستور تهدف لتحويل اليمن لستة اقاليم وكأن الخلاف كان مع الجغرافيا وليس السياسة فالسؤال ما ذنب الأرض تقطع أوصالها بناء على أهواء ونرجسية الساسة في حين كان الإشكال هو بين الحاكم والمحكوم!

حتى تونس التي كانت منطلقاً لانبلاج تلك الاحتجاجات والثورات لم تسلم هى الأخرى ولو بنسب متفاوتة مقارنة بدولاً أخرى فقد تمدد الجماعات المسلحة على أراضيها، وتنتمي إجمالا، للتيار السلفي الجهادي، ومنها تنظيم "أنصار الشريعة"، وبعض من جهاديي سوريا ومالي العائدين. تماما كما هو في اليمن الذي انبثقت جماعة "أنصار الشريعة" فرعا لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بالإضافة إلى جماعة الحوثيين. ناهيك عن "جبهة النصرة" وتنظيم "داعش" اللذين ظهرا في سوريا، الأمر الذي يدعو للتساؤل عن علاقة ثورات الربيع العربي بظهور تلك التنظيمات، التي لم يكن لها وجود سابق من قبل.

بالطبع فأن الحالة اليمنية مختلفة في جملة من التفاصيل عن غيرها، فكل ثورة مهما تشابهت بعض نتائجها وأحداثها مع غيرها، تبقى لها خصوصيتها لجهة مضمونها وشكلها.

فبداهة لا يمكن أن نضع كل الثورات في قالب واحد؛ فاليمن يعاني من صعوبات اقتصادية مزمنة قبل ثورات الربيع العربي ويعد الأفقر من معظم تلك البلدان حيث البطالة ضاربة جذورها منذ عقود ولم تستطع الأنظمة المتعاقبة أن تحل تلك الإشكالات بل زادها صعوبة وتجذر بفعل الفساد وسوء الإدارة ونحو ذلك، الأمر من ذلك هو تفكك البينة الاجتماعية منذ مطلع الوحدة اليمنية التي ساعد النظام السابق على تفسخ النسيج الاجتماعي وتظييق شريحة الطبقة الوسطى وانتشار الفقر والجهل والتخلف، ناهيك عن تنامي حالة الحس الطائفي الذي أذكاه إدارة النظام السابق بطريقة مفضوحة انطلاقاً من سياسة فرق تسد، فنشأت مفردات لم يكن اليمنيون يسمعون بها أصلاً كالمذهبية والحوثية والسلالية ونحو ذلك.

فالحوثيون مثلاً، أحد أبرز مشكلات اليمن الحقيقية، لأنهم يقومون بالتصعيد سياسياً وعسكرياً، رغم انهم شركاء في العملية السياسية وفي الحوار السياسي، ولديهم مشروع سياسي معلن يريدون تنفيذه من خلال استغلال الأزمة السياسية وضعف أجهزة الدولة.

ولذلك قاموا بداية بتصعيد مدروس ومتدرج بدأ في الآونة الاخيرة بأحداث "دماج" بحجة ان هناك طلاباً أجانب ولكن انكشفت تلك الذرائع بنقل المعركة لاكثر من مكان عمران وهمدان وارحب بل تهديد العاصمة نفسها، ومواجهة القوى الأخرى كقبائل حاشد، وإفشال أي محاولة للاتفاق على بسط سيطرة الدولة ووقف أعمال العنف.

وامتلاك هذه الجماعة للأسلحة يساعدها على مواجهة جميع القوى في المنطقة، وفي الجانب الآخر، هناك حراك جنوبي بداء بمطالبات متواضعة قانونية سرعان ما تحول لغايات سياسية جهوية محاولاً هو الآخر الاستفادة الأزمة السياسية والأمنية لإعادة توازن العلاقة مع الشمال بحجة التهميش في فترة صالح مع ان الأمر بالنسبة لهذه الادعاءات لم تعد ملموسة في الوقت الراهن فرئيس الجمهورية وابرز وزراء الحكومة مع رئيس الحكومة نفسها هم من المحافظات الجنوبية، الإشكال ان مفاتيح الأزمة الأساسيين هم ممن يمكن القول بأنهم من المحافظات الشمالية وليس هذا الإشكال فقد غدا الصراع سياسياً نخبوياً طائفياً أكثر منه مناطقياً، فالرئيس هادي الذي كان الشخص الثاني افتراضاً خلال نحو عقدين، هو نفسه من يفترض ان يقود المرحلة الانتقالية وكان قد حسم الجدل حول شكل الدولة الاتحادية المنتظرة، معلناً المضي نحو دولة اتحادية متعددة الأقاليم، والبعد عن المركزية، وطرحه الحوار الوطني.