العراق: مصالحة وطنية..مع من؟

مشكلتنا، نحن في الشرق، دائما ما نعالج الامور بطريقة عاطفية، بل ان معظم مصائبنا حصلت بفعل اندفاعات عاطفية، وان اقساها تلك التي حصلت في السياسة...بعد الاحتلال تعالت صيحات بعض العراقيين وغيرالعراقيين بشان اجراء مصالحة وطنية تجنب العراق مزالق القادم من الايام، وتضع الشعب على طريق الصواب، لان الخلافات السابقة كانت بسبب تعارضات ثقافية حادة، ارتدت لبوساً سياسياً، وان كل جهة كانت تعتقد انها تمتلك الحقيقة، وان عليها اقصاء الاخرى لتقعّد الدولة على وفق رؤيتها، وهكذا كانت الكارثة العراقية التي اخذت تستفرخ كوارث متتالية، وانشغل الجميع بتداعيات ذلك، بل صارت تلك التداعيات المريرة هي قاعدة الحديث في كل ندوة او حوار لمعظم مسؤولي هذا الزمان، ولاتجد احدا يقول باننا كنا نريد ان نفرض مشروعنا على الدولة، منوهين هنا الى ان جميع القوى المتصارعة كانت ذات عقائد شمولية لاتستطيع ان تتحمل اي منها وجود اخرى شريكة لها في السلطة او حتى منافسة على مصطبة الاحتياط!

لقد جوبهت الدعوة الى المصالحة الحقيقية باعتراض المعترضين وما اكثرهم، وكانت الجملة الوحيدة التي نسمعها من جميع هؤلاء، هي "المصالحة مع من؟" ولسان حال المتكلم يستحضر صورة العناق وتبويس اللحى الذي لا أحد يريده او يحاول فرضه على من لا يستطيع ذلك، وانما كان المطلوب اصلاح الواقع السياسي، بما يجعل الحياة ممكنة ومقبولة، ومن دون منغصات لان إقصاء الآخرين يعني خلق اعداء وهذا له استحقاقات يجب ان يدفعها المجتمع من امنه وثروته وراحته النفسية، وهو ما حصل ويحصل الى اليوم.

الشيء الذي لا يريد البعض ان يعترف به، هو ان المشاريع المتقاطعة التي كانت وراء الصدامات العنيفة في المراحل السابقة، لم يعد من الممكن فرضها على المجتمع، اي مجتمع، في ظل الواقع السياسي الجديد الذي يسود العالم اليوم، وانتهاء مرحلة الانظمة الشمولية، وان مبدأ التجاور حل محل مبدا التجاوز الذي كان سائداً منذ الاربعينيات حتى التسعينيات، وان الثقافة السياسية السائدة اليوم، تتحمل ان يكون المتناقضين عقائديا موجودين وممثلين في البرلمان، اي برلمان، سواء لدولة متقدمة او متخلفة، لانه لا مجال للتعايش السلمي من دون الاقرار بهذه الحقيقة، ما يعني انه لا مجال لحزب واحد او جهة واحدة ان تحكم شعباً لا سيما اذا كان هذا الشعب متعدداً ثقافياً، كالعراق، فما الذي ظل يمنع قيام مصالحة حقيقية لكي يستقر البلد وتسير امور الناس بشكل طبيعي في ظل ميزانية خرافية وثروات طبيعية هائلة، ما زلنا نبذرها على تعويضات الخسائر التي تخلفها الصدامات والعنف ولإسر الضحايا والمنكوبين؟ ناهيك عن تداعيات هذا الواقع على نفسية الشعب التي تدمرت نتيجة للفهم الخاطئ لمعنى المصالحة الوطنية، والتي يراها البعض صفاء قلوب ومحبة، وهي في السياسة ليست كذلك.

نحن بحاجة الى اصلاح ثقافتنا السياسية، تمهيداً لاجراء مصالحة تنبثق من وعي لضرورة اصلاح العملية السياسية التي ما زالت تدار برؤية شمولية بغطاء ديمقراطي مهلهل، لم يعد قادرا على تحمل حرائق حياتنا التي غدت كالجحيم!