اللجان لم تسهم يوماً في إصلاح الأوطان

المشكلة الرئيسية التي تواجه الرئيس عبد الفتاح السيسي وربما ستكون سبباً في إعاقته عن تحقيق أهدافه، تكمن في أن عقله وقلبه وروحه يتصارعون مع الزمن وتتولد بداخله حركة محمومة تشبه قوة اندفاع الصاروخ، ولا تهدأ أو تخف وتيرتها إلا إذا تمكن من تنفيذ ما يُفكر فيه وما يُقرره وما يرجوه لهذا الوطن، تلك الاندفاعة لا يقابلها جهة قادرة على التناغم معها، فهو كقاطرة حديثة فائقة السرعة، تسحب خلفها عربات مهترئة عتيقة فوق قضبان صدئة، والقاطرة في هذه الحالة مُجبرة على أن تبطئ من سرعتها حفاظاً على سلامة العربات، أو أن تطلق لسرعتها العنان وفي هذه الحالة لا مفر من انكسار العربات أو انجرافها عن القضبان، الأمر الذي يفضي إلى نتيجة واحدة لا تقبل الشك، وهي أن العربات لا تصلح مطلقاً لهذه القاطرة إن هي أرادت أن تنطلق بسرعتها القصوى.

لن يجدي القاطرة نفعاً إعادة طلاء العربات بألوان زاهية، وهذا هو بالضبط حال مدرسة الإدارة المصرية الحكومية، بلا أي استثناء، فهي تتكون من مجموعة من السلاحف التي تقتصر خطواتها على الزحف البطيء، معتمدة في حماية نفسها وتصرفاتها على ظهرها الثقيل الصلب الذي تتكسر عليه مصائب الدهر وأزمات الزمان وهموم الأوطان، دون مواجهة، هذه الإدارة هي التي تُشكل الوعاء الأساسي الذي يغترف الرئيس من عناصره من أعضاء حكومته التي عليها يقع عبء الحفاظ على مسافة قريبة من حركته، ولكنهم للأسف نفس الأشخاص الذين لا يتحركون من تلقاء أنفسهم، ويحتاجون دوماً إلى من يدفعهم دفعاً، ولدينا التاريخ، والتجارب الماضية والحاضرة، فليقل لي أحد بصدق هل الإدارة الحكومية الموجودة حالياً والتي لا زالت تستخدم المراسلات الورقية متعددة المراحل في تعاملاتها، تستطيع مجاراة سرعة البريد الإلكتروني؟

إن رئيس الجمهورية إحساساً منه بمسؤوليته تجاه المواطنين، قام حاملاً الورود بزيارة لإحدى بنات هذا الوطن التي تعرضت لهجوم غادر وشرس من حسالة البشر الذين جردوها من ملابسها على الملأ، وتطاولوا على جسدها الذي أمر الله بحفظه وصيانته، وأحدثوا فيه من إصابات الخسة ما تقشعر منه الأبدان، وما تعف الحيوانات عن فعله، وتخجل الوحوش عن القيام به، وهي لفتة إنسانية من رجل يعرف واجباته، ويعي متى يكون المواطن بحاجة إليه، وقد بدا عليه شدة التأثر والغضب من هذه الحادثة التي قرر ألا تتكرر في مصر مطلقاً.

والشعب يعلم جيداً أن الرجل صادق فيما ذهب إليه، وإنه لن يدخر جهداً للقضاء على ظاهرة التحرش التي أصبحت تؤرق المجتمع المصري بشدة، ولذلك فقد أمر بتشكيل لجنة من عدة جهات لدراسة الظاهرة واقتراح الحلول، والحقيقة أنني أجد نفسي مضطر أن أبوح له بتخوفي من هذا الإجراء، فتجاربنا مع اللجان لا توحي بأي أمل، فتراث الإدارة المصرية معروف في هذا المجال، فإذا أردت تجميد أي موضوع والتخلص من تبعاته، فشكل له لجنة، واللجنة دائماً ما ينبثق منها لجنة أخرى، ثم لجنة ثالثة، وهكذا تتوه المسؤوليات، تماماً كما يتفرق دم المقتول بين القبائل.

يا سيادة الرئيس، لقد أعطاك الشعب التفويض تلو الآخر حتى تبت في الأمور بتاً سريعاً، ولذلك لا ننتظر منك أن تسير على نفس المنوال الذي سار عليه من كانوا قبلك، فكم من القضايا الهامة تاهت في دهاليز اللجان، ما يريده منك الشعب الآن أن تتوكل على الله، وتتخذ القرارات الحاسمة بما يُرضي شعبك ويُريح ضميرك، وتُنشر في وسائل الإعلام المختلفة، لمدة أسبوع يتلقى فيه مكتب أحد مستشاري الرئاسة المتخصصين ملاحظات الناس عليها، ثم يُصار إلى إصدار قانون بها.

أما إذا كنت ستعتمد على اللجان، وستنتظر أعمالها التي لا تنتهي، فأخشى أن انتظارك سيطول، وستدور مصر وشعبها في نفس الحلقة المفرغة التي كنا ندور فيها منذ عشرات السنين، والوطن الآن لا يملك من الوقت ما يستطيع إضاعته، وبصراحة فإن اليوم الذي يمر من عمر رئاستكم دون إصدار قرار حاسم هو يطيل من عمر السلبيات ويتيح لها سبيل النجاة، فالذي لا يتقدم، يتقهقر.