كير ومشار يضعان العربة امام الحصان لتحقيق مصالحهما

سياسة التفاهم بالعصا الغليظة

نيروبي - على الرغم من اتفاق جديد بين الطرفين المتحاربين في جنوب السودان هو الثالث خلال ستة اشهر من النزاع الدامي، يبدي عدد كبير من المحللين تشاؤما بشأن فرص احلال السلام في الامد القريب في هذه الدولة الفتية والفقيرة.

وكان رئيس جنوب السودان سلفا كير وزعيم المتمردين رياك مشار اتفقا، في العاشر من حزيران/يونيو في اديس ابابا، على تشكيل حكومة انتقالية خلال مهلة ستين يوما، وذلك في ثاني لقاء بينهما منذ بدء النزاع.

لكن عدم احترام اتفاقين سابقين لوقف اطلاق النار، ابرم احدهما خلال اللقاء الاول الذي عقد في التاسع من ايار/مايو، لا يدفع الى التفاؤل. ويشكك عدد كبير من المراقبين في الرغبة الحقيقية للطرفين المتعاديين في حل تفاوضي ويرون ان كلا منهما يسعى لتحقيق نصر عسكري.

وقال جيمس كوبنال، مؤلف كتاب حول جنوب السودان بعنوان "شوكة سامة في قلوبنا"، ان "هذا الاتفاق وقع تحت ضغط كبير بما في ذلك ضغوط دول المنطقة، لكنه يمكن ان يصمد اذا رأى كل من كير ومشار انه يمكن ان يخدم مصالحه".

وأضاف انه "لا طائل من التفاؤل، بالنظر الى الاشهر الاخيرة التي انتهكت فيها الحكومة والمتمردون على حد سواء وقف اطلاق النار الذي وقعوه".

ولم تحقق المفاوضات بين الطرفين، التي قالت الوساطة انها كلفت حتى الآن حوالى 12 مليون دولار، اي تقدم ملموس منذ بدئها مطلع كانون الثاني/يناير. كما يبدو ان التهديدات بفرض عقوبات تأثيرها محدود.

وعلى الارض، تتواصل المعارك التي تتخللها مجازر وفظائع ضد المدنيين على اساس قبلي وعرقي ما ادى حتى الآن الى سقوط آلاف ان لم يكن عشرات الآلاف من القتلى ونزوح اكثر من 1,3 مليون شخص من بيوتهم.

وقال ديفيد دينغ، الذي ينتمي الى تحالف المواطنين من اجل السلام والعدالة في جنوب السودان، ان الوعد بتشكيل حكومة وحدة وطنية "خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن لتكون هذه العملية فعالة يجب توسيعها الى ابعد من هذه النخبة السياسية لتضم مواطني جنوب السودان".

وتتطلب هذه الحكومة ان يخفض كل من كير ومشار سقف طموحاته ليتقاسما السلطة وحتى ان يبقيا، كما يرى دبلوماسيون يعتبرونهما مسؤولين عن استمرار النزاع، بعيدين على الاقل حتى تنظيم اقتراع في المستقبل.

وقال كوبنال "من الصعب تصور جنوب السودان في حالة سلام مع كير ومشار في قلب السلطة"، معتبرا انه "من غير المرجح ان يقبل اي منهما التخلي عن طموحاته".

وتعود جذور النزاع الى المنافسة السياسية التي عمقت الخلافات داخل جيش جنوب السودان بين قبيلتي الدينكا والنوير اللتين ينتمي اليهما على التوالي كير ومشار. وقد اسفرت في نهاية المطاف عن اندلاع القتال في 15 كانون الاول/ديسمبر.

وكانت احقاد قديمة وعميقة تفصل بين هاتين الاتنيتين الكبيرتين في البلاد وتعود جزئيا الى الحرب التي تواجه فيها المتمردون الجنوبيون -- الذين اصبحوا يحكمون في جوبا - مع الخرطوم من 1983 الى 2005 وانتهت بانفصال جنوب السودان في 2011.

ولم تؤد المجازر الاخيرة سوى الى تعميق الهوة وتجعل تقاسم السلطة اكثر صعوبة.

في المقابل، وعلى عكس ما يتوقع، يمكن للتقدم نحو تسوية سياسية ان يفاقم العنف.

وقال كازي كوبلاند، من مجموعة الازمات الدولية، "يخشى ان يؤدي التقدم في المفاوضات باتجاه حكومة وحدة وطنية الى مزيد من عدم الاستقرار مع سعي كل طرف الى اضعاف الطرف الآخر وتعزيز مواقعه"، بينما يبدو ان حدة النزاع تراجعت مؤخرا.

ويرى قلة من المحللين ان كير ومشار سيلتزمون مهلة الشهرين التي وعدا بها. وفي الوقت نفسه، يبدو ان الوقت يشكل عامل ضغط مع انتشار الكوليرا والجوع.

وقالت سيسيليا ميلان، مديرة منظمة اوكسفام غير الحكومية في جنوب السودان، ان قادة جنوب السودان "يجب ان يبدءوا العمل لمصلحة مواطنيهم (...) الذين عانوا كثيرا في الاشهر الستة الاخيرة". وأضافت "لا يمكن السماح بان يستمر ذلك لفترة اطول".