داعش في العراق، خطة أم خطأ؟

لا ينتصر جيش بدون شعب يحبه ويحتضنه ويغذيه، ولا يحمي شعب حريته واستقلاله وأرضه بدون جيش حر موحد مهني محايد وجيد الإعداد والتدريب والتجهيز. ولأن نوري المالكي فقد الاثنين فقد تمكنت داعش من قلب موازين الوطن، وانتهاك هيبته وتدميرمؤسساته، والعبث بحياة شعبه ومصيره.

والجيش الذي كلف الوطن مئات المليارات من الدولارات ويهرب قادته في أول نصف ساعة من المواجهة مع مليشيات وعصابات، ويتركون المدنيين يحملون سلاح الجيش ويقاتلون نيابة عنه دفاعاً عن الشرف والكرامة والأرض لهو جيش لا يستحق لباسه العسكري ولا أن ينفق عليه شيء بعد اليوم.

بعيدا عن مبدأ المؤامرة واتهام المالكي وإيران والأسد بتوفير الفرصة لداعش لاكتساح المنطقة العراقية الغربية المشاكسة، والمناطق الحدودية الشرقية السورية المحررة من قبل المعارضة، من أجل إذلالها لأنها أدمت أصابع النظام السوري، وأحرجت إيران، وهددت نوري المالكي ومليشياته المقاتلة في سوريا، ودعم المعتصمين العراقيين.

ولكن تعالوا ندقق في عدد العصافير التي سقطت في حضن نوري المالكي بحجر داعش في حربها الكوميدية المضحكة المبكية الأخيرة.

أولا: أسقطت عصابات داعش جميع السياسيين السنة المناوئين لولاية ثالثة للمالكي والموالين أيضا، وجعلتهم كورق الشجرالأصفر المتساقط الذي تعبث به الريح. فلن يعود لهم أي قيمة أو وزن ليضغطوا على التحالف الوطني ويحرجوه ويجبروه على ترشيح بديل عن المالكي.

والدول التي كانوا يستقوون بمخابراتها وأموالها وإعلامها، كتركيا والسعودية، لن تدعم بعد اليوم خيولا خاسرة عاجزة عن الوقوف على أقدامها.

بداعش لم يعد لكثيرين من السياسيين السنة الذين انتفخوا في الفترات الماضية وجود على ساحة الفعل السياسي العراقي، حتى لو تم دحر داعش بقوات مالكية وإيرانية وأميركية. وذلك لأن المحافظات الست لن تعود كما كانت قبل الاجتياح مزارع محتكرة من قبل حفنة من تجار السياسية اللاهثين وراء المكاسب والرواتب والمناصب، بذريعة أنهم يمثلون الطائفة السنية، ويطالبون بـ"حصتها" في الحكومة. والمهم في الأمر أن المالكي لم يعد بحاجة إلى تلفيق ملفات جديدة لإسقاطهم، خصوصا بعد طردهم من مساقط رؤسهم ذاتها، ولجوئهم إلى أربيل أو استانبول أو عمان.

ثانياً: بداعش أحرج المالكي منافسيه في التحالف الوطني، وكشف ظهورهم وحرمهم من ورقة التذرع بالرفض السني لولايته الثالثة. فلم تعد هناك قوى سنية يمكن أن يتحالف معها الحكيم والصدر ضده.

ثالثاً: بداعش تحققت له محاصرة الإقليم، وإشغال القيادة الكردستانية بهموم جديدة أثقل وأخطر كثيرا جدا من صراعها مع الولاية الثالثة. وأصبح في إمكان المالكي، بوجود داعش على تخوم كردستان، أن يتخذ القرارات التي تناسبه وتزعج القادة الكورد، وتعرقل المسيرة التنموية المزدهرة في الإقليم، وأن يجعل منكردستان سلة مهملاتٍ عراقية يرمي فيها بأقوى خصومه العرب السنة الألداء.

رابعاً: تقطيع شرايين التواصل بين المعارضة السورية والمنطقة الغربية العراقية ومنع إمدادها بالرجال والسلاح والخبرات العسكرية الكثيرة الموجودة في المحافظات الغربية، وحرمانها من تواصلها مع العشائر العربية المنتشرة بين سوريا والعراق.

خامساً: بداعش، وليس بمليشياته، تم تدمير البنى التحتية في المحافظات الست، وحرقُ المؤسسات، وتخريبُ المشاريع، وإهانة الشيوخ والزعماء والقادة الذين طالما هددوا بالزحف إلى بغداد، باسم مظلومية الطائفة ومطالبها، كما تم تهجير الألوف من الأهالي، وأغلبُهم مؤيدون للمعارضة السورية، وحاقدون على المالكي وحكومته والاحتلال الإيراني. وأخيراً تم كسر عنفوان منتبقى من المدنيين، وشَغلهُم بالصراع من أجل البقاء. ثم بعد كل ذلك سوف يظهر المالكي ومليشياتُه، ومعه الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الايراني، محررين ومنقذين، فيحرقون بالبراميل المتفجرة والقنابل والصواريخ ما لم تُحرقه مدافعُ الداعشيين، وفي ذلك مزيد من الانتقام والثأر والتشفي.

سادساً: باسم محاربة داعش وتحرير الموصل وتكريت وسامراء وغيرها لا يوجد أنسب وأنفع للمالكي من إعلان الطوارئ وتسليح المواطنين المتطوعين لمحاربة "الإرهاب". وطبعاً لا بد أن يكون أغلبُهم من مليشيات بدر والعصائب وحزب الله العراقي بالإضافة لمن يُسمون بـ "سنة المالكي" الذين لا يقلون حقدا على "أشقائهم" شيوخ العشائر ورجال الدين الذين أفتوا بمروقهم وبخروجهم على إرادة الطائفة. وهذا الشرخ الدامي والكراهية والثارات والاقتتال بين شيوخ عشائر الأنبار والموصل وصلاح الدين وجيوشهم يشفي غليل المالكي وقاسم سليماني، ويجعل الوجود الإيراني في العراق وسوريا ولبنان مريحاً وأكثر أمنا وأطول بقاءً إلى سنين طويلة.

سابعاً: الآن وبعد أو وقعت الواقعة لا يشك أحد في صدق رغبة نوري المالكي في دحر عصابات داعش وتحرير المدن التي احتلتها جميعها. والسبب ليس وطنياً ولا أخلاقياً ولا خلافاً مبدئياً وفكرياً مع داعش، ولا حتى طائفياً، بل هو شخصي محض، وحجرٌ آخر يصيب به المالكي ثلاثة عصافير جديدة، أولها إعادة ضم المناطق المحتلة (المحررة) إلى جمهوريته، بثرواته وخيراتها، بعد أن كُسرت شوكتها وفقدت عنجهيتها وأصبحت أطوع له من خاتم إصبعه الأزرق، يلعب بها وبأهلها كما يشاء.

والثاني مضاعفة التنكيل بخصومه أبناء المحافظات المنكوبة وذلك بتسفيه اتهاماتهم له بالتآمر مع داعش تارة، وبالتراخي وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة تارة أخرى، لا بدعواته إلى النفير العام وتسليح المواطنين لتحرير المدن المحتلة فقط بل باتهامهم بأنهم تآمروا مع داعش وسهلوا احتلالها لإحراج الحكومة، والثالث إسقاط العصابات الداعشية في العراق قبل أن يوسوس لها غرورُها باجتياح بغداد أو كربلاء، ودق أبواب طويريج وتهجير أهلها كما هُجر غيرُهم من قبل.

وفي جميع الأحوال والحسابات لا يمكن للمالكي الطامح إلى تأمين امبراطوريته ضد جميع الأخطار أن يقبل أبدا بأن تكون جارتَه عصاباتٌ لا يضبطها خلق ولا عرف ولا قانون. والأهم أن مهمة داعش ستكون قد أنجزت، وانتهت مدة صلاحيته وصار عليه أن يرحل.

ثامناً: بداعش تم خلقُ واقعٍ جديد يقنع الغرب بأن الهلال السني العراقي السوري إرهابي من نوع فريد وغير مألوف. فكل مواطنيه و(مجاهديه) وسياسييه قاعديون وداعشيون قطاعون للرؤوس، حراقون للنساء والأطفال والشيوخ. وبذلك ستبدو مواقفُ الجماهيرالعراقية وأحزابها وقواها الوطنية، والدول والمنظمات الدولية الديمقراطية التي تدين إرهاب العصابات الداعشية، وترفض احتلالها وجرائمها، وكأنها تأييدٌ لسياسات المالكي ودعم لجهوده وقبول بوجود إيران في العراق وسوريا.

أما حكاية الاقتحامات المباغتة التي نفذتها داعش في الموصل وكركوك وتكريت، وسامراء، وتوقيتها العجيب الغريب الذي يطابق توقيت مأزق المالكي إزاء الدورة الثالثة، وسر الهروب المنظم والمبرمج والمريب لكبار قادة الجيش، وأوامرهم بإخلاء مواقع القوات الأمنية وترك أسلحتها الثقيلة والخفيفة، ودباباتها وحتى طائراتها، للقطعان الداعشية، فحديثها يطول.

ولكن ما ينبغي أن يقال هنا هو أن الشركاء في العملية السياسية المغشوشة، بدون استثناء، يحصدون اليوم ما ظلوا يزرعونه من عشر سنين. فالمشكلة ليست في بقاء المالكي أو مجيء رئيس وزراء غيره من داخل البيت الشيعي، بل هي في النظام الذي أنتج هذه المآزق المتتابعة التي لا تنتهي إلا بخروج الوطن من أقفاص دولة الطوائف والكانتونات والإقطاعيات، ومن صراعات التحالف الوطني ودولة القانون ومتحدون والعربية والوطنية دون أي استثناء.

فتفرد المالكي بالسلطة، وتهميشه غير المحدود وغير المسبوق للمكونات العراقية الأخرى، واستخدامه سلطاته الأمنية للتنكيل بالمحافظات الغربية واستقصاد سياسييها، دون غيرهم، بالتهم والملفات، سواء كانت حقيقية أو ملفقة، خلق ذلك الانشطار الخطير بين الفصائل العراقية، سياسيا وثقافيا واجتماعيا وأمنيا، وفتح الباب لتدخلات الدول الخارجية في موضوع الاعتصام، وتشجيعهاعلى حمل السلاح وضم مسلحي داعش إلى ما أسموه بـ "ثوار العشائر"، الأمر الذي هيأ الفرصة لنوري المالكي لاستخدام الجيش، والمليشيات الموالية له، في ضرب الفلوجة والرمادي، وقبلهما الحويجة، وإشعال نار حروب غبية تضرر فيها الوطن كله، ودخلت نارها إلى منزل كل عراقي، حتى في المحافظات البعيدة عن مناطق هذه الحروب.

إن مسؤولية المالكي كبيرة جدا في هذه المجازر، ولكن مسؤولية شيوخ عشائر الأنبار لا تقل عنها في خلخلة الوضع الأمني، وإحداث الفراغ الأمني وتوفير الحاضنة الشعبية لداعش والقاعدة وأيتام حزب البعث المهزوم.

إن ما جرى ويجري هذه الأيام في العراق لعبة مفبركة يصعب تصديق كون نجاحاتها من صنع حفنة من فوضويين متخلفين يرفعون رايات داعش. بل إن تفاصيل ما جرى في الرقة ودير الزور، ثم في الرمادي والفلوجة، وأخيرا في الموصل وكركوك وتكريت، لم يكن ليحدث، بهذه السرعة والدقة في التخطيط والتوقيت، لولا وجود قوى دولية حاذقة وخبيرة في مثل هذه الحروب والتجمعات تقف وراء ما حدث.

والغريب الذي يحتاج إلى تفسير هو الموقف الأميركي الغاضب والشاجب لمهزلة داعش في العراق. والأهم تصريح وزارة الخارجية الأميركية بأن ما يجري يهدد الأمن الدولي.

ومن حقنا أن نسأل، إذا كانت حكومة الولايات المتحدة، حقا وواقعا، تعتبر داعش وحروبها خطرا على مصالحها وعلى نهجها السياسي في المنطقة، فهل يعقل أن تتجرأ دويلة صغيرة كقطر على معاقبة أميركا وتخريب مصالحها ومعاندة سياساتها فتمول داعش وتضخ له أفضل أنواع السلاح وأكثره تقدماً وفاعلية؟

فهل ما حققه داعش في العراق خطة دولية مبيتة، أم هو نتيجة أخطاء متراكمة ظل المالكي وشيوخ عشائر الأنبار وصلاح الدين وكركوك ونينوى يرتكبونها على مدى عشر سنين؟ هل من مجيب؟