'حماس' والمصالحة الفلسطينية : استيعاب دروس أم تكتيكات للخروج من الأزمة ؟

من الواضح للمراقب السياسي أن حركة "حماس" تمر هذه الأيام بما يشبه إعادة نظر في الكثير من استراتيجياتها وقناعاتها القديمة وتقوم بعملية استخلاص للدروس والعبر، وتعمل شيئاً فشيئاً باتجاه التحول التدريجي لحركة وطنية فلسطينية ذات صبغة إسلامية إخوانية، وبذلك هي تحاول أن تحاكي تجربة حزب الله وحركة النهضة التونسية.

"حماس" على ما يبدو بدأت باستيعاب الدروس؛ إذ أنه وبفعل الحصار الذي فُرض عليها، والأزمة المالية الخانقة التي تمر بها، والضعف الذي أصاب علاقاتها العربية وفقدانها للكثير من التعاطف الشعبي الذي كانت تحظى به بفعل كفاحها المسلح ضد إسرائيل، والذي اكتنفه الانفصام والمساومة بتأثير من الحكم الاخواني في مصر بعد العام 2012.

حماس التي كانت قد اعتقدت نتيجة تفكير غير واقعي وسياسات غير محسوبة، بأن ساعة الخلافة الإخوانية الحلم قد أهلت، تحللت من كل تحالفاتها العربية والايرانية السابقة، بل وانقلبت عليها، القدرية وعدم البصيرة السياسية التي أعمت التنظيم الدولي للإخوان هي نفسها ما أدت بحركة حماس إلى نفس المصير.

خطاب مشعل الأخير حمل في طياته نفساً جديداً، نفساً تصالحياً مع منظمة التحرير وسوريا وإيران وحزب الله ودول الخليج ومصر.

من الواضح أن حماس ترغب في ترميم صورتها التي شوهتها بنفسها من خلال رهاناتها الإخوانية الخاطئة خلال السنوات الثلاث الماضية وتعمل أيضاً على إعادة تقييم سياساتها من خلال إعادة الروح لعلاقاتها مع حلفائها القدامى، من هنا يمكن تفهم سعيها إلى المصالحة الفلسطينية وتوقها إلى تحقيقها بسرعة فهي بحاجة إلى ذلك، تخلي حماس عن السلطة التنفيذية التي كانت تديرها في قطاع غزة يدل على أنها أصبحت تعي أن إدارة شؤون الناس وتأمين احتياجاتهم هي مسئولية تتطلب شراكة سياسية فأعباؤها كبيرة ولن تستطيع تحملها لفترة طويلة خصوصاً بعد إغلاق الانفاق، ربما تكون حماس على وشك النجاح فلسطينياً ولكن نجاحها هذا لا يعني أنها ستنجح عربياً وبنفس السرعة، كون ملفاتها السورية والمصرية كما تزعم وسائل إعلام هاتين الدولتين مغمسة بالدم، ورغم نفي حماس لكل هذه الاتهامات وإصرار قادتها على حياد الحركة وعدم تدخلها في الشأن الداخلي للبلدان العربية فإن الواقع غير ذلك.

إذا نجحت حماس في التحول إلى حركة وطنية فلسطينية ذات أهداف فلسطينية فقد تكون قد سلكت طريقاً طالما تمناه لها الوطنيون الفلسطينيون ففيه تُعزيز وقوة للحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني وحلفائه.

نحن ندرك بالطبع أن حماس لا يمكنها خلع ردائها الاخواني بالمطلق، بل ولا يمكن لها خلعه جزئياً، فهذا فكر متأصل فيها بدونه تكون كمن يتخلى عن جوهره، ويبدو أن صورتها الجديدة إن حصلت فليس من السهل تمريرها عربياً خصوصاً مصرياً وسورياً بدون أن تتخلى حماس عن بعض قادتها خاصةً من الصف الأول الذين ارتبطت صفحة الخلافات مع هاتين الدولتين بهم.

من الجيد أن نرى حراكاً في داخل حركة "حماس"، حراكاً يحمل أسئلة حول هوية الحركة حاضراً ومستقبلاً، حراكاً يسعى إلى تعلم فن السياسة والابتعاد شيئاً فشيئاً عن القدرية.

فلسطينياً هناك قدر كبير من التفاؤل بأن الانقسام في طريقه إلى الزوال، إذ بالرغم من غزوة البنوك التي قامت بها أجهزة أمن حماس في غزة، إلا أن قطار توحيد الوطن قد سار مع تشكيل حكومة التوافق الوطني وستليها لاشك خطوات أخرى لتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية.

لذلك نعتقد أن المصالحة ستصمد هذه المرة ولن تنهار قريباً كما حصل في المرات السابقة، فالظروف اختلفت والرهانات أخفقت.