نزع الشرعية من المالكي وتقديم البديل

لا يهم كفاية رئيس وزراء على رماد

على الرغم من الهزيمة السياسية، قبل العسكرية، التي فضحت عجز المنظومة الأمنية والعسكرية التي اعتمدها القائد العام للقوات المسلحة، فإن الوعاظ الملوثين بالفساد وانعدام الذمة، يظهرون في وسائل الإعلام في هذا الظرف العصيب، ليزينوا صورة المسؤول الأول عن الهزيمة، ويرحلوا تبعاتها كالعادة على أشباح لا هوية لأحد منهم غير الانتماء الى الإرهاب. خسارة ثاني أكبر مدينة عراقية، وبلدات وقصبات حيوية أخرى والتهديد بالزحف باتجاه مناطق تقود الى بغداد، أمر اثبت بما لا يشك فيه غير سدنة النظام، عدم دراية القائد العام وبطانته من القادة العسكريين والمستشارين المقربين في أي شأن من شؤونها، وعدم قدرتهم على الإلمام بما تتطلبه الخطط الستراتيجية، وما تحتاجه من عُددِ وإعدادٍ وتأهيلٍ وخطوط مواصلات.

لكن الأهم من كل ذلك، سقوط منظومة مفاهيمه وتوجهاته وتكتيكاته السياسية.

إن "القائد"، بما يعنيه من توصيف، سواء أكان في ميدان العمليات العسكرية، أم بعيداً عنها في غرفة العمليات الخلفية، يسقط عملياً مع أول إشارة تدلل على سقوط منظومته وهزيمة خططه، واستسلام قياداته! ويسقط معنوياً وأخلاقياً حين تؤدي خططه وسلوك القيادات الميدانية وهزيمتها الى سقوط مدينة أو اختراق حدود السيادة، دون مقاومة تُذكر.

مما يؤكد هشاشة أوضاع هذه الدولة الفاشلة، الانهيار الصاعق لمدينة عراقية باسلة، دون مقدماتٍ منطقية، وهي الدولة التي حطّت من أقدارها، إن كانت لها ثمة أقدار، قيادة متهورة، مدّعية، مهمومة بكيفية تأمين استكمال اغتصاب السلطة وتصفية المعارضين لهذا النزوع، ليس في ثبت أساليب عملها غير اعتماد إجراء شروخٍ دامية وتعميقها في جسد الشعب المرهق وفي كيانات المكونات الأخرى، ونشر قيم الكراهية والشكوك والأحقاد في صفوفها وفيما بينها، وجعلها طوال الوقت أسيرة مكابداتها الحياتية والمعيشية، ويأسها من إصلاح الحال، وخشيتها من الآخر كأنه مغتصبُ حقوقٍ أو "عدوٌ مفترضٌ" يتربص بها داخل بيتها "وطنها المشترك"

ليس مثل الهزيمة العسكرية في ميدان المجابهة، من دلالة حاسمة على الفشل والإخفاق. كما ليس كالانهيار في المنظومة السياسية المعتمدة فيما سُمي بالعملية السياسية، دلالة على فشل الدولة وقيادة السلطة، بكل ما تنطوي عليها أو تعبر عنها من أساليب عمل وتوجهاتٍ ومفرداتٍ برنامجية وأدوات وأجهزة. ان اربع سنواتٍ من الفشل في كل ميدان حكومي وشعبي لم تكن كافية لإزاحة كابوس الفشل من على عاتق العراق والعراقيين، ولا يبدو ان قادة التحالف الوطني مزمعون على اعتبار كارثة تسليم الموصل للبعث المتحالف مع داعش والتنظيمات الإرهابية بكل تلاوينها، هي الأخرى قرينة، تتطلب التصدي بجرأة لمعالجة الأوضاع من جذرها "الموصوف" الذي لا يشكك عاقل بانه "أس" الفشل و"أس" الخراب الذي يتهددنا بالزحف، و"أس" الفساد الذي ينخر جسد شبه الدولة الفاشلة. وأية محاولة لترقيع العيب او تأجيل الحل الحاسم، والدوران في محيطه السلبي، انما يعني بوضوح الإمعان في التواطؤ على العراق، وتسليم العراقيين الى المجهول، بما ينطوي عليه من استباحات وضيم وظلام.

وبدلاً من العودة الى الخيار السياسي الضامن، واعتماد معافاة المجتمع الذي مزقته السياسات الرعناء للجماعة الحاكمة، والدعوة للتوحد في إطار وطني يتجاوز المسلّمات السائدة بقوة السلطة الفردية، وهي ما تستلزم اعلاناً وطنياً يرعى بضماناتٍ مؤسساتية اجراء مصالحة مجتمعية، وتفكيك منظومة الحكم الطائفي- الفردي، واتخاذ تدابير تنطلق من اعتبار المواطنة الحرة المتساوية أساس الحكم وخيار التقدم، بدلاً من ذلك، تجري المطالبة بمنح الحاكم الفرد سلطات حالة طوارئ!

وما هي أحكام "الطوارئ" التي لا يستخدمها المالكي، خلافاً للدستور ومنطقه؟ كل ما تقتضيه الطوارئ من سلطات، يمارسها السيد المالكي بشكل غير شرعي، فهو يتخذ قرار تحريك القوات العسكرية والأمنية في كل الاتجاهات، دون قرار من البرلمان بحسب ما يقتضيه الدستور. وهو يستثني من تتوجب ملاحقتهم قانونياً ويعفو عنهم، ويعيّن قادة الجيش والفرق العسكرية وقادة الأجهزة الأمنيّة، من المشمولين بالاجتثاث، دون العودة الى البرلمان. وهو يوجه القوات الخاصة "سوات" لملاحقة قياداتٍ سياسية واتخاذ تدابير مجردة من الحيثيات القضائية ضدهم، ويقوم باعتقال من يريد. وهو المشرف المباشر، كوزيرٍ بالإنابة، أو بالتوكيل المخل، على جميع الوزارات والمرافق العسكرية والأمنيّة والمخابراتية. فأية صلاحيات يريدها أعوان المالكي، لسيدهم اكثر من هذا..؟ ماذا في إعلان الطوارئ غير هذا؟

والحقيقة انه ليس فيها سوى محاولة الظهور ثانية بصورة البطل المنقذ المغوار "المفوض" من البرلمان بعهدة إنقاذ العراق من الإرهاب الذي تمدد في كل اتجاه بفضل سياسته ومغامراته الطائشة، وليس فيها سوى محاولة "تبرئة الذمة" من كل تجاوزاته وخروقاته للدستور، باستخدامه صلاحيات "الطوارئ" خلال سنوات حكمه دون قرارٍ من البرلمان.

لقد انتظرتُ واهماً أن يعلن المالكي أو مكتبه او حزبه أو ايٌ من الناطقين باسمه، عن نقدٍ وأعرابٍ عن تحمل المسؤولية بأي قدر كان، عن فضيحة تسليم الموصل وهزيمة قواته أمام بضعة آلاف من الإرهابيين. لكن هيهات أن يستسلم "القائد" المتربص لولاية ثالثة مشؤومة. وقد أكدت مواقفه وحواريوه، ما قيل من ان للنجاح اكثر من أب، أما الفشل فلا أب له!

قد يعتقد البعض من المدجَّنين، أن الأخطار المحدقة بالبلاد تتطلب السكوت عن مسببي الهزيمة، والمتورطين في قيادة البلاد الى ما وصلت اليه من شفا الهاوية . لكن السكوت عن ذلك في هذا الظرف بالذات، اشتراكٌ مباشر في التسبب بالمزيد من الخسائر، ومضاعفة المخاطر الداهمة، والحيلولة دون إخراج العراق والعراقيين من هذا النفق المظلم .

خارطة الطريق الضامنة لإنقاذنا مما نحن فيه، ومما يتربص بنا من أخطار، هي في تداعي قيادة التحالف الوطني الى اجتماع عاجل يتقرر فيه الإعلان عن رفض الولاية الثالثة للمالكي، وطمأنة العراقيين الى أن رئيس الوزراء القادم سيكون بتوصيف مغاير تماماً لما عرفوه حتى الآن.

اذا كنا في بلد تحترم دولته شعبها، فالحال تقتضي تقديم المالكي وفريقه العسكري الى محاكمة عسكرية فورية .

وفي ظل التجاذبات والتعقيدات التي يشهدها الوضع الراهن، قد يمكن التساهل وتجاوز هذه المطالبة المشروعة، بل واعطاؤه ضمانات، أميركية وإيرانية، بالعفو والصفح عما ارتكب من كبائر، فقط في حال رضوخه لطلب الانكفاء.

فخري كريم

صاحب دار المدى