يحدث الآن في العراق

يُغالط من يدعي أن ما يحدث الآن في العراق كان مُتوقعاً، ويُخطئ من يدعي أن ما حدث ويحدث غير متوقع بالمطلق، ما حدث ويحدث في العراق هو في حقيقته منزلة بين منزلتين، بين المتوقع وغير المتوقع.

المتوقع أن ثمة أموراً جساماً سوف تحدث، بهذا الشكل أو ذاك، وأسباب هذا عديدة، عانى منها العراق وما زال يعاني، ما ذكر منها وما لم يذكر، علماً بأن اكثر ما ذكر هو ما لا ينفع ولا يجدي، وأكثر ما لم يذكر هو ما ينفع ويجدي.

طيلة سنوات ما بعد الاحتلال انشغلت القوى والكتل المسماة سياسية بما هو غير سياسي بالمرّة، بكل ما هو ثانوي، وغير جوهري، ولا يُعتمد عليه لبناء دولة وحماية شعب وصيانة وطن، بل بالعكس، بكل ما يفرق ولا يوحد، ويشتت الجهد ولا يجمعه، ويضعف ولا يقوي، وأدخلت هذه القوى بمجملها البلد في متاهات لا أول لها ولا آخر، وفي حمى الصخب الكلامي ضاع معنى الكلام، ولم يعد المتناحرون المتناطحون متفقين ولا على مفردة واحدة من مفردات المعجم السياسي، وبدوا وكأنهم "واحد من اثنين": إما جاهل بشؤون السياسة بالطلق، أو عبقري تأخرت شعوب الأرض دهراً بانتظار ما سيجترحه من مفاهيم حديثة، وتفسيرات عبقرية لمعنى الديمقراطية، ومحاربة الديكتاتورية!

كان العراق قبل الاحتلال مُبتلى بالحكام الطغاة، وأثناء الاحتلال بالاحتلال، وما بعد خروج المحتل بذيول الاحتلال، ولذا يمكن القول من دونما تجاوز للمعنى، إن العراق لم يخرج بعد لا من الاستبداد، ولا من الاحتلال، وأن ثمة قوى بعضها ظاهر وأكثرها خفي تعمل على ديمومة هذا الوضع، فلا تريد للعراق تحرراً، ولا قوّة ومنعة، وهي تستهدف وحدته باعتبارها الركيزة الأساسية لنهضته. إن الضرب المستمر على أوتار الطائفية والعنصرية هو الكلمة الجامعة الموّحدة للأذناب والأتباع، ولمن لا ينظرون أبعد من إنوفهم.

وغير المتوقع أن تجري الأمور على النحو الذي جرت به، فلم يكن أكثر المتطيرين تطيراً، يتصور أن بضعة مئات من الأغراب، مؤيدين من بعض من هم أبناء البلد، ومحتضنين من قبلهم بلا شك، يمكن أن يهزموا جيوشاً جرارة مدججه بأحدث الأسلحة، وهي في عقر دارها، وبين ناسها، وعلى أرضها، تصوروا أكثر من 52 ألف رجل شرطة ورجل أمن، وعدداً من الفرق والألوية العسكرية، ومعسكر الغزلاني الذي كان يضرب به المثل بقوّته، والبيشمركة التي كانت تتواجد في نصف المدينة تقريباً، وشرطة المحافظة وحرسها، وقوى العشائر والإسناد والصحوات، والعديد من حملة رتبة فريق أول وفريق ولواء، وما لا يحصى من المراتب الأخرى، ينهزمون خلال سويعات، ويسلمون ثاني أكبر وأعرق مدينة عراقية، كانت عبر التأريخ عصيّة وصعبة، بل متعذره على الغزاة، هكذا، وبسهولة وبصورة مهينة.

من منا يمكن أن يطمئن لسلامته، أينما كان، وكيفما كان وضعه، مسؤولاً أم من عامة الناس، في بغداد أو أربيل، أو البصرة، أو كربلاء، أو أية قرية عراقية، إذا كانت جحافل نتغنى بها وببطولاتها تنهزم هكذا ودفعة واحدة، ومن دونما مبرر، أو أي حسابات عسكرية، أمام حفنة من الأشرار؟

من يضمن ألا يجتاح بغداد ثلاثة آلاف داعشي مثلاً، ومن يضمن أن القادة العسكريين لن يكونوا أول الفارين، وأن يتركوا جنودهم ومعداتهم غنيمة للقطاء الأرض؟

قضية مثل هذه لا يمكن أن تؤجل إلى ما بعد، ففيما بعد قد لا يكون العراق موجوداً إذا ظلت الحال على ماهي عليه. يمكن تأجيل كشف الحساب أمام الناس لحين الانتهاء من القضاء على من استباحوا مدننا الأبية، ولكن لا يمكن ترك المقصرين والمتقاعسين والمتواطئين والخونة من دونما مُحاسبة، علماً بأن الإقالة وحدها لا تكفي، فالجريمة موصوفة بالخيانة العظمى، حتى لو كانت جبناً وهروباً وتقاعساً، فنحن في حالة حرب.

قلت في مقال سابق إن الضابط الذي يأخذ رشوة لتعيين جندي لا يستحق أن يكون قائداً، وإنه سيخون لو وضعت أمامه ملايين الدولارات، الجيوش التي تحمي الأوطان لاتقاد من الفاسدين، ليس هذا فحسب بل ينبغي البحث عنهم في أبسط المفاصل العسكرية والشرطية لاستئصالهم، لأنهم أخطر من الإرهاب، لا بل هم الإرهاب نفسه.

مؤكد أن الموصل ستتحرر من الأوباش، وستبقى أم الربيعين، بلد الجمال والفن والثقافة، وكذا كل منطقة أخرى، فهذا الزمن ليس زمن داعش، والعراق ليس تربة صالحة لأشد الأفكار ظلامية وتخلفاً، ولكن كم خسر العراق من هذه الغزوة الظلامية، كم عسكرياً ومدنياً قتل؟ وكم هي المعدات العسكرية التي اشتريت بدم الشعب والتي أحرقت أو أتلفت أو أعطبت، أو صودرت؟ وكم هي قيمة الذخيرة التي استعملت، وتلك التي تم الاستيلاء عليها من قبل هذه العصابات؟ وكم مؤسسة تم حرقها أو تهديمها؟ ثم ماذا بشأن مئات الآلاف من المشردين الذين سلبت أملاكهم وهاموا في العراء؟ من بمقدوره وصف حجم هذا الإجرام الذي لحق بالموصل ومدن العراق الأخرى؟ وكم هي كلفة هذا الخراب الشامل؟

ونحن إذ نثير هذه الأسئلة فإنما نشير إلى الهدف الحقيقي من مثل هكذا تحركات، ليس الهدف بناء دولة إسلامية كما يزعمون، فهذا وهم لا ولن يتحقق، حتى ولا في إفغانستان، وإنما الهدف التدمير والتخريب والإعاقة، سواء في العراق، أو في أي مكان يصلون إليه، من المؤكد أنهم سينسحبون من كل الأماكن التي وصلوا إليها، برغبتهم أو بدونها، ولكنني أزعم أنهم نجحوا، فقد حققوا مايريده أسيادهم من تدمير وتخريب وإعاقة، فهل نحن متعظون، أم سنبقى في الغي سادرين؟