جمالية تمتح من باطن العناصر في معرض يسر محمود

المجد للفكرة العارمة

ما هذا السائل المتدفق مثل نشيد قديم؟ ما الأشكال القائلة بالنعومة.. وما هذا الشجن الكامن في الكائنات الرخوة؟ هل ثمة ما يشي بألق البدايات.. وهل ثمة ما يمكن ان تمنحه مثل هذه الكائنات والأشباح والأشكال من سعادة لكائنات اليوم في حلها وترحالها وخرائب عوالمها بفعل الفجيعة؟

إن الفن - وفي مثل سياقنا هذا - يعد ضربا من التطواف والمكوث حول أكوان الغرائبية بكثير من التأمل والتردد قبل الكلام. هي اللعبة الجمالية تمتح من باطن العناصر وكنه التفاصيل بحثا عن القيمة والعلامة حيث لا مجال لغير التذكر والتدبر والتأمل بما في النظر من ثقافة وتاريخ ووجدان.. نعم ان الفن سؤال وجدان بدرجة أهم.

أنت أيتها الكائنات المأخوذة بفكرة الأرض

أيتها الأشكال الذاهبة الى النسيان

العائدة من النسيان

مزقني السؤال وشكل الكلام

وصرت كشهقة الأزرق في سراب اللغات

ألهو بالطين

أراوح بين معنى ومعنى

أنتشي بالفكرة

وأقول لنفسي

سلاما

على هذا المجد العائد من قدم لا يضاهى...

هكذا اذن ألج عوالم الرسامة يسر محمود التي تأخذنا الى عالم ألوانها بشيء من الرغبة في الاقناع بالفكرة التشكيلية وما يلونها من كد وبحث وذهاب الى حدود النبش والكشف حيث الفن في جانب منه ذاك الحوار مع باطن الذات والكائنات .. واللغة هنا هي النفس الصاعد مثل موسيقى القبائل القديمة.

معرضها الآن يتواصل الى يوم 14 يونيو/حزيران بمتحف مدينة سوسة بالقاعة الحسينية ويضم حوالي خمسين عملا فنيا هي محصلة وعصارة الاشتغال الدؤوب والمتأني والمفتوح، فالفكرة عميقة وحارقة.

أجسام وأشكال تامة بنقصانها تتحرك في الفضاء المقترح في اللوحة وفق هيئات وحالات مختلفة تحيل الى اعتمالات الفضاء وما في الأرحام وما بين السماء والأرض، وبألوان الطين تتداخل هذه الأجسام السائلة في فضاء اللوحة وبتقنية النفخ تتشكل لتتفاعل مع هامش آخر من المخطوط واللون لتنتهي عملا متناسقا في تعبيريته وجماليته.

انها لعبة اللون وتفاعل مادة البترول وطاقة النفخ التي تفعل فعلها حيث تبقى مرتسمة في العمل التشكيلي، وكأني بيسر تقنعنا بأهمية توظيف الطاقة الباطنية والعميقة في الذات، ومن الدواخل "الجواجي" تجترح لون وجمال وعنوان اللوحة.

انها شواسع الذات الحالمة والمسكونة بالشجن والآه. تبني عالمها البسيط والطافح بمشتقات الوجع ولكنه الوجع الملون بالأمل.

ثمة في الأعمال المنجزة لدى الفنانة يسر محمود كون حسي وباطني ينبني ضمن العلاقة بين الأشكال والألوان فمن خلال طغيان وهيمنة اللون البني وهو لون الطين والأرض وسلاسة التشكل ضمن اختلاف الهيئات والوضعيات من عمل الى آخر نلمس تشظي الفكرة وتحولاتها البينة وهو الأمر المحيل على أسئلة الالتحام والصراع والانعتاق والانطلاق والانحناء والسقوط. وهي حالات بشرية قديمة جديدة وشتى.

ومن هنا نلمس ثقافة الفنانة يسر وخلفيتها القائلة بقدم السؤال الفني حيث ذهبت به الى لوحاتها التي وظفت فيها أيضا لمسات الفن المعاصر وكأني بها تقول بالفكرة التشكيلية الموائمة بين القديم والحديث خاصة وهي التي أفادت كثيرا من حسن اطلاعها على تاريخ الفن.

في هذا السياق يقول الناقد طه الليل في نص عن التجربة عنوانه (ميتافيزيقا "الحضور والغياب" في معرض "نفس" للفنانة التشكيلية يسر محمود شاشية):

"..... ومن خلال مبدأ التأويل وإعادة التحليل في أعمال الفنانة تستدعينا الذاكرة الى التفكر في مبدأ التفرقة التي تحدث لنا من لذة التشاوف والمشاهدة والتبصر، بين النص الذي يستهلكه القارئ - المبصر، والذي يمنح نفسه لهذا المبصر دون مشقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة، والسحر، والمألوف، وبين مفعول التّناص بين الشيء وصورته، الذي يسعى المتقبل إلى إعادة كتابته وتدوينه ومعالجته العديد من المرات، وفي كل مرة يتمتع بقراءة مغايرة، ومن ثم فان هذه الأعمال تمنح القارئ لذة خاصة تضعنا في وضع الخسران, ولا تريحنا، بل قد تؤدي إلى إشعارنا بقدر من الضجر، وتهز أسس عملية التلقي وتلامس أذواقه وقيمه وذكرياته, إنها تثير أزمة في علاقته البصر الغائب الحاضر لتعيد نفس اللغة التشكيلية المستحدثة في هذه الأعمال الفنية.

ومن ذلك يمثل هذا المعرض نفحا في صورة العمل الفني بما هو نتاج فكري وحسي، ينبجس من أعمال الفنانة يسر شاشية محمود، ويترجمها الى عملية إختراقية داخل الواقع تسعى من خلال مبدأ التجاوز إلى تناول جوهر الأشياء من خلال عملية التجريد، فيستحيل الفنان من هذا المنظور، خالقا للأفكار وموقظا لها، وخالقا للعواطف عن طريق مختلف هذه التجليات الناجمة من الفعل الفني....".

يسر محمود نشأت في بيئة مثقفة ومتعلمة وبدأت حكاية الولع بالرسم لديها منذ أن كانت في مرحلة الطفولة وقد كابدت وقبلت التحدي في سياق التحصيل وواصلت مسيرتها في الفن والحياة لتبلغ مثل هذه المحطة (المعرض الخاص بمتحف سوسة) وهي تواصل في حرص شديد مع هذا الدرب الجمالي.

هذا المعرض منحنا مناسبة ملائمة للتفاعل مع تجربة فنية تواصل نحت أسئلتها بكثير من الدأب والتأني والشجن الانساني والوجداني والجمالي أيضا. ‘نها فكرة الحفر في الأعماق وما تحتمله من تأويل، وتقبل أيضا. المجد للفكرة العارمة.