غلق الأسواق أوقات الصلاة تحريم الحلال

قرار ليس من الشريعة

إن قفل المحلات وشلّ سير الحياة في أوقات الصلاة فيه تحريم لما أحل الله ولهذا لم تطبقه دول الإسلام في دنيانا هذه. لا في غابر الزمان ولا في حاضره، كما لم يرد ما يشي بأن الإقفال هذا قد ألزم به في عهد الرسول والصحابة والخلفاء الراشدين، ولم نسمع بأنه قد ألزم به الناس في عهد الخلافتين الأموية والعباسية، كما أن الذي يذهب صعداً إلى القرن الثالث الهجري والذي اجترأت فيه جماعة من المسلمين على فرض نوع من التشدد والصرامة في تطبيق أحكام الشريعة، هذه الجماعة لم تلزم بقفل الأسواق إبَّان إقامة فروض الصلاة.

أمثلة من التاريخ

فهذا ما استظهرناه من تاريخ الطبري حين قال: "تجرَّدت المطوعة للنكير على فساق بغداد ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاري وكان السبب فساق الحربية والشطار الذين كانوا في بغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديداً وأظهروا الفسق وقطع الطريق بأخذ النساء والأطفال علانية من الطريق وكانوا يجتمعون فيأتون الرجل ويأخذون ابنه ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وكانوا يجبون المارة في الطريق والسفن ويقطعون الطرق علانية وأخذ المتاع والذهب والفضة، فقام رجل من الأنبار يقال له خالد الدريوش فدعا جيرانه وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاف بأسواق بغداد ومنع كل من يجبي المارة وعاضده سهل بن سلامة وقال: سأقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائناً من كان" (انظر: تاريخ الطبري 5 ص136-137). أما ابن الأثير فقد ذكرها في حوادث عام 323 حيث قال: "فيها عظم أمر الحنابلة، وصاروا يكبسون على دور القوادة والعامة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء(انظر: الكامل لابن الأثير 9 - ص113). فهذان المؤرخان لم يذكرا أنهم قد ألزموا بقفل الأسواق وقت الصلاة، فالحنابلة وإن فرضوا الأمن وأحكام الشرع على الناس، إلا أنهم لم يأمروا بما هو ليس من شرع الله.

أعود إلى سياقي وأكرر أن هذا الإقفال لم تطبقه دول الإسلام في أي عصر من العصور وحتى أيامنا هذه، ومع هذا لم يجحد أحد عليها إسلام أهلها وتقوى الكثيرين منهم، كما أن عدم إغلاق المحلات وقت الصلاة لم يحل دون انتشار الدعوة المحمدية واعتناق شريعتها لا في سالف الأوان ولا في حاضرنا الذي نحياه، فالناس يدخلون بحمد الله دين الإسلام أفواجاً حتى هذه الساعة في بلاد لا تقفل محلاتها وقت الصلاة، كل هذا يبيح لنا ولا مرية القول بأن نص اللائحة في المادة (1) قد تزاور في فقرته الثانية عما ورد في نص المادة (9) من النظام، وكذلك عن المادة (10) من النظام نفسه، أي أنه نكث ما استقر عليه الفقه والقضاء من قواعد تُلزم بجثُوِّ اللائحة لما ورد من أحكام في النظام (أي القانون).

ليس من الشرع

فاللائحة التنفيذية لنظام الهيئة هنا أتت بنص قضى بأمر جديد لم يأت به نص النظام وحاوياً ما يتهاتر مع نص المادة الذي جعل نص اللائحة تنفيذاً لها يعد هتكاً له، الأمر الذي يضحي معه النص اللائحي باطلاً في الشرع، بل إن هذا النص أي نص اللائحة الذي أمر بالإقفال أوغل أجوازاً بعيدة في البطلان، فالنص إذا وصل ما وصل إليه يكون على ضلالة من نص النظام ومن ثم يغدو لدى الفقهاء منعدماً من الموجود (انظر: الطماوي - نظرية القرارات الإدارية، ص350 الذي أشار بأنها نظرية صاغها الفقيه الفرنسي(Le Feriere )، وانظر أيضاً في الفقه الفرنسي مؤلف الفقيهين ڤيدل وديڤولڤيه - القانون الإداري 1 ص263). وعليه فإن الأمر بإقفال المحلات الذي أتى به رئيس الهيئة انقلب إلى محض عمل مادي ( Voie de fait ) - لا شرعة له ولا قوة ولا إلزام له، وبهذا فإنه لا يستطاع شرعاً إلزام أي فرد من الناس بإغلاق حانوته، وآية ذلك أن رئيس الهيئة في ذلك الحين ابتدع أمراً لا يجيزه له الشرع ونعني هنا الأمر بإقفال المحلات، كما أنه ناكث للنظام الذي أمر به ولي الأمر.

فهو قد شرَّعَ أمراً جديداً لم يأتِ به النظام، فرئيس الهيئة الذي شرع هذا النص القائل بالإقفال في لائحته، ليس له ولاية التشريع التي حبتها الشريعة لولي الأمر وليس غير، ناهيك بأن كل قواعد الشريعة التي وردت في القرآن أو السنة أو الأثر لم تأمر بقفل الأسواق، كما أن ولي الأمر الذي حباه الشرع سلطة اشتراع القواعد التي تنظم أحوال المجتمع لم يأمر بإقفال المحلات حينما أصدر نظام هيئة الأمر بالمعروف.. ولم يصدر أمراً سامياً بعد صدور هذا النظام يقول بذلك، فهو لم يرَ فيه مصلحة للمسلمين، وعليه فإن إقفال المحلات غير سائغ شرعاً طالما لم تكن هناك له ضرورة أو مصلحة للناس تقضي بذلك، ولا يتراءى لأي أمرئ في هذه الدنيا أن هناك مصلحة تمنع الناس (مدَّة تضاهي أربع ساعات كل يوم عند أوقات الصلاة) من الاتجار والعمل وإيقاف سبل العيش، فكل واحد منهم يبتغي طلب الرزق وقضاء حاجته، وأنا لا أضلُّ عن الحقيقة إذا قلت بأن في ذلك مواتاً للحياة مرات عديدة في اليوم، وهو ما فيه مضرة جد كبيرة عليهم وعلى اقتصاد الوطن، بل وعلى مصالح الناس هذا إذا أخذنا بسماحة الإسلام ورحابته وسعته كدين، إذ أن كل نصوصه تقول بهذا بل وتمنع كل ما فيه عناء وضنك للمسلم، وإذا كان رئيس الهيئة (في عام 1407هـ) الذي ليس له ولاية على المسلمين في هذه الديار قد اتبع هواه وراح يشرِّع في لائحته الإلزام على ذوي الشأن بإقفال محلاتهم والتوقف عن العمل.

اغتصاب سلطة المشرع

فإن ما فعل ينطوي على اغتصاب لسلطة الإمام أو ولي الأمر، وهو ما يطلق عليه في الفقه الفرنسي (Usurpation de pouvoir) (انظر: ڤيدل وديڤولڤيه، المرجع السابق، ص263 )، وقد أكد هذه القاعدة النظام الأساسي للدولة، الذى حبا ولى الأمر وحده إصدار التشريع بعد التشاور مع مجلس الشورى.. فهذا النص في النظام الأساسي أكد ما كان عليه الحال من قبل، الأمر الذى يشايع قولنا بأن رئيس الهيئة في تيك السنين ما كان له أن ينتبذ في تلك اللائحة نصاً يقول بإقفال المحلات وقت الصلاة، لذا فإنه لا يجوز شرعاً لا للهيئة ولا للشرطة ولا لمحتسب أن يكرهوا زيداً من الناس على إقفال مكتبه أو حانوته أو محله أو قهوته أو مطعمه في أوقات الصلاة.

كما لا يسوغ لأي إدارة منع موظفيها عن العمل أو التوقف مدة تضاهي ساعة عن أداء خدمة للمراجعين في دوائر الحكومة، ناهيك بأن هذا التوقف يهدر وقتاً ليس بالهيّن على من يريد أي من الناس قضاء مصالحه لدى مكاتب الدولة، هذا إذا عرفنا أن بعض الموظفين، بل الغلبة الغالبة منهم يهتبل فرصة توقف العمل للذهاب إلى المدرسة لتوصيل أولاده إلى البيت، وهذا يحدوه إلى الغياب مدة تضاهي ساعة من الزمان عن عمله، وهو ما جمّ ويجمَّ وسيجمّ بتعطيل لمصالح الناس الأمر الذي يورث لهم المضرّة التي بدورها تثير التذمر، بل هناك مع الأسف من القضاة من يسارع إلى ترك مجلسه ما أن يؤذن المؤذن للظهر، فإذا صلى في مسجد المحكمة ولّى مكباً على وجه.. قاصداً داره، ولا يغاب عن الذهن بأن كل المحلات التي تغلق أبوابها عند صلاة الظهر لا يعيد أصحابها فتحها إلا بعد أربع ساعات أو خمس، أي بعد صلاة العصر أو عند الغروب.

استثناء الجمعة

الواقع أن نص المادة (1/ثانياً ) من اللائحة لم يهدر فقط ما نصت عليه المادة (9) من النظام، بل نكث أيضاً – كما أشرنا من قبل - نصاً آخر من نظام هيئة الأمر بالمعروف، ونعني هنا المادة (10) منه، فنص هذه المادة يقول: "على الهيئات القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بكل حزم وعزم.. مستندة إلى ما ورد في كتاب الله العزيز وسنة رسوله وأخذ الناس بالتي هي أحسن" ، والثابت هو أنه لم يرد - كما ذكرنا - إذا استثنينا صلاة الجمعة نص في الكتاب أو السنة ولم يرد إجماع لفقهاء المذاهب يلزم بإقفال الأسواق، ناهيك بأن هذا النص ألزم الهيئة بأن تأخذ الناس بالتي هي أحسن، وهذا ليس صنيع رجال الهيئة الذي ينتضي كل واحد منهم عصاه ويتوعد مهدداً ذلك الذي لا يقفل محله بعقاب شديد، فأعضاء الهيئة هؤلاء يهتكون نص هذه المادة، رغم أن عدم الإقفال لا يعني أن صاحب المحل لن يصلي وإقفالها لا يعني أن أصحابها سيبادرون إلى الصلاة في المسجد.

فبعضهم يصلي في بيته وبعض العاملين قد لا يصلي ساعة الأذان لضرورة ما، وبعضهم ربما يكون نصرانياً أو بوذياً، وعليه فإنه لا وجه لسوقهم إلى المسجد أو التحريم عليهم فتح محلاتهم ما أن يقرب وقت الأذان، إذ أن الشرع يبيح للمسلم أن يصلي صلاته في أي لحظة يختارها خلال الفترة التي حددها الشرع لأوقاتها، فصلاة الظهر يستطاع تأديتها خلال ساعتين أو ثلاث وكذلك صلاة العشاء فلِوَقْتها براح حتى منتصف الليل، وعليه فإنه لا يجوز شرعاً إجبار امرئٍ على أن يصلي فرضاً من الفروض في أول الوقت، وهو ما نص عليه صدر الفقرة ثانياً من المادة الأولى من اللائحة. نضيف على هذا أن بعض العاملين في المحلات قد لا يكون مسلماً فلماذا يُجْبَرُ على قفل المحل الذي يعمل فيه؟، كذلك هو الأمر نفسه بالنسبة للأجنبي النصراني الذي يريد التسوق، فقد جبهني فرنسي مقيم ذهب كي يتسوق بسؤال جعلني أتبكم عن الجواب.. إذ قال: لماذا أمنع من التسوق والشراء ولماذا ألزم بالتأخر في قضاء ما أريده ولماذا ألزم بالرجوع إلى الدار متأخراً.. فأنا لست مسلماً؟ ولا شك أن هذا السؤال يلوب في ذهن كل أجنبي.

أحمد بن خالد الأحمد السديري

نشر في الرياض السعودية