المرأة في جدل الإسلاميين: القضاء والولاية

مواجهات مع رافضة القوامة

تعد قضية المرأة من أهم القضايا الجدلية التي لطالما تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، ولعل التباين بين المؤسسات الدينية وتيارات الإسلام السياسي إزاء قضايا كثيرة تتشابك مع قضايا الحريات والمرأة وما شابه، ألقت بظلالها على قضية المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية.

القضية الأكثر جدلاً والتي دائماً تثير حالة من الصخب حولها هي مسألة تولي المرأة للرئاسة، على الرغم من كونها بعيدة عن متغيرات الواقع ومجرياته في مصر، حيث ينظر إليها رجالات الأزهر الشريف على أنها من الأمور غير الجائزة وفق المنظور الشرعي الإسلامي، فوفق رؤية الشيخ فرحات المنجي فإن الله لم يعطِ حق الطلاق للمرأة، ومن أخص خصوصيتها، لكونها سريعة التأثر والغضب والانفعال، لتهديدها الأسرة وكيانها، لكونها بالأساس لم تخلق مثل آدم من شيء صلب، بل خلقت من دم ولحم، فكيف تسند إليها رئاسة دولة؟

أما الأصوات النسوية داخل الأزهر تعارض الرؤى الذكورية داخله، وهو ما أجازته الدكتورة سعاد صالح شريطة ألا يؤثر ذلك على دورها في رعاية أفراد أسرتها، فالعلاقة بين الرجل والمرأة مثلما حددها الإسلام تقوم على العدل والمساواة والإحسان والفضل، فالذي يخلق الاختلاف بين الرجل والمرأة هو التفسير الخاطئ لبعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية.

"المرأة لا يمكن أن تتولى الولاية لأنها تعجز أن تكون والية على نفسها في الزواج، فكيف تتولى الحكم"؟ بهذه الكلمات حصر الشيخ الداعية يوسف البدري الولاية للمرأة في المال فقط، مستشهدًا بأن النبي كان يفتح البلاد ويعين عليها حكاماً، فلماذا لم يعيّن امرأة؟ كما أن الله لم يرسل نبية أو رسولة لأي من الأمم السابقة.

إلا أنّ الدكتور عبد المعطي بيومي ينسخ الأقوال الرافضة لاعتلاء المرأة، نافياً أن يكون معنى الحديث الشريف "لن يفلح قوم ولَوا أمرَهم امرأة"، يحرم تولى المرأة الرئاسة، فالقرآن امتدح ملكة سبأ بأنها حاكمة صالحة، مؤكدًا أنها لم تكن ولية الأمر وحدها.

في ظل هذا الجدال الدائر، تنهي د. ملكة زرار أستاذ الشريعة والقانون بجامعة القاهرة المشهد بالتأكيد على أن الرئاسة من الإمامة الكبرى، وهي للرجال دون النساء، وهو الأمر الشائع، لكن إذا كانت هناك امرأة صالحة لتولي القيادة، فلا يوجد مانع إذا توافرت فيها شروط من بينها فصاحة العقل ورجاحته والالتزام بالشورى، مستشهدة بملكة سبأ وبرجاحة عقلها وكيف أنها كانت تأخذ بالشورى، مستنكرة أن يكون فى هذا الزمن امرأة في مثل مواصفاتها.

لم تخرج الدائرة السلفية كثيراً عن وجهة النظر الأزهرية في تولي المرأة الرئاسة، بل تشابكت معها على نطاق كبير، فالداعية السلفي الشهير محمد حسان، رأى أن جمهور العلماء أجمعوا على أنه يجب تقديم الذكر المسلم في الولاية العامة، مثل الرئاسة والمناصب العامة، شأنها في ذلك شأن عدم إجازة المرأة في إمامتها للصلاة، كما لا يجوز أن تتقدمهم في الولاية العامة، فمرجعية الوظائف لدى المنهج السلفي تعود إلى الأمانة والقوة، باعتباره تأصيلاً شرعياً، يرتبط بالولايات الخاصة، التي لا يجوز فيها التمييز على أساس الجنس أو الدين.

لم يقف المشهد عند أسوار الرئاسة، بل تعداها إلى عدم إجازة منصب نائبة الرئيس للحيلولة دون اقتراب العنصر النسوي منه نهائياً، وفق ياسر برهامي، الذي أفتى بعدم جواز تولي منصب نائب الرئيس لقبطي أو امرأة، فمنصب الرئيس ولاية أكيدة خصوصاً مع وجود الصلاحيات، وإنما يمكن أن يكونوا مستشارين.

ومن الرئاسة إلى القضاء محطة أخرى، انتقل إليها الجدل حول أحقية المرأة في اعتلائها، وبطبيعة الحال لم تكن للأزهر رؤية واحدة تجاه تلك القضية، فالشيخ الدكتور محمد مختار المهدي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، يرى أن رأي جمهور العلماء هو عدم تولي المرأة القضاء رحمة بها ومراعاة لظروفها. لأنه يجب العمل بالعقل، والمرأة ستقضي بعاطفتها، والعدالة لا تُقضَى بالعاطفة، فيما رأى آخرون ما يخالف ذلك.

هذا ما يعارض طرح الشيخ جمال قطب رئيس لجنة الفتوى السابق بمجمع البحوث الإسلامية، بإجازته ذلك في ظل نُظُم القضاء المعاصرة، فلم يرد في القرآن والسنة أي منع للمرأة، والقضاء المعاصر أصبح قضاء جماعياً فينظر القضية الواحدة في الوقت الواحد أكثر من قاضٍ، فإذا كان أحدهم امرأة فلا بأس، فالوظائف العامة والولايات العامة لابد وأن توزع على الكفاءات قبل أي اعتبار آخر.

الأمر الذي استدعى الكاتب السلفي سعيد محمود إلى أن يحدد الإطار الذي ينبغى أن يكون عليه القضاء، وذلك لما للقضاء من وظائف مهمة، بالتوازي مع شروط لابد وحتماً أن يتأهل بها القاضي والتي حددها في أربع نقاط رئيسة نجملها في التالي:

ـ الإسلام: "وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" (النساء:141).

ـ العدالة: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" (البقرة:44)، ونهى عن القضاء وهو على صورة تؤثِّر على عدالته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ"(متفق عليه).

ـ الذكورة: ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز تولي المرأة الولايات العامة كالوزارة والقضاء ونحوهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (رواه البخاري)، ونُقل عن أبي حنيفة جواز توليها القضاء في الأموال دون القصاص والحدود، بينما نُقل عن ابن جرير الطبري جواز أن تكون المرأة قاضية على كل حال، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبي ذر - رضي الله عنه - الرقيق العواطف لما سأله أن يستعمله: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا"(رواه مسلم).

ـ العلم: بأحكام الكتاب والسنة والإجماع واللغة ومواضع الاجتهاد.