من داعش وإليها. عقاب المدن الغاضبة

هل عاد نازحو الفلوجة، المدينة العراقية التي نكبت بتنظيم داعش وبحرب المالكي الخاسرة إلى بيوتهم؟ ما من خبر يؤكد عودتهم. بل ما من خبر عنهم وعن أحوالهم. لقد سكت الاعلام المحلي والعربي والعالمي أمام السؤال الذي يتعلق بمصير عشرات الالوف من المدنيين الذين اضطرتهم وقائع الحرب التي صارت مدينتهم ملعبها إلى مغادرة بيوتهم، من غير أن تكون هناك اية اشارة تدل على امكانية عودتهم في وقت قريب.

هناك إذاً مأساة إنسانية يتم التغاضي عنها في الوقت الذي يكتفى الجيش العراقي بالقاء البراميل المتفجرة على مدينة، صارت تتصدر قائمة المدن المنكوبة في عالمنا العربي الذي صار مقدرا عليه أن يعيش متاهة حياته بين طرفين يتقاتلان من أجل ابادته أو تأديبه على الاقل: مجاهدون اسلامويون نظموا أنفسهم في فرق للموت، صارت الشريعة عنوانا زائفا لمخطط اجرامي انيط بها تنفيذه وحكومات كانت قد وجدت في شعار الحرب على الارهاب عنوانا تتستر به على فسادها وعجزها عن اداء وظائفها الخدمية.

لاجئو الفلوجة هم مشروع قابل للتوسعة في خضم ما تشير إليه وقائع تلك الحرب التي يتحرك ميزانها بطريقة غير عقلانية، حيث الغلبة فيها دائما للجماعات الارهابية المسلحة. وهو ما يؤكد أن الطرفين المتحاربين قد ضمنا سلفا أن الحرب لن تلحق بهما الضرر ما دامت ماضية في الاتجاه المرسوم لها، حيث يكون اهالي مدن بعينها هدفا لشرورها. وهي المدن التي اظهرت في أوقات سابقة استياءها من الاداء الحكومي معترضة على نزعة الحكم الطائفية التي دفعت بها الى العزل والتهميش.

ما جرى للفلوجة، ومن بعدها سامراء وما يجري الان في الموصل، هو إذاُ عقاب مبيت.

عقاب موجه لجزء من الشعب العراقي، هو ذلك الجزء الذي يقف حجر عثرة أمام مشروع تقسيم العراق إلى دويلات طائفية وعرقية.

وكما أرى فان تنظيم داعش قد تم اختراعه لينهي حرجا وقع فيه سياسيو العراق الجديد الذين سُدت أمامهم الطرق التي رسمها المحتل على الخرائط لكي تكون دليلا لهم للوصول إلى الهدف النهائي: عراقا إن لم يتفكك رسميا، فانه على الاقل يُقسم على اقاليم، كل واحد منها يعطي ظهره لعراق الماضي الموحد.

غير أن سلوك اهالي المدن الغاضبة وقد انطوى على شعور عظيم بالمسؤولية الوطنية كان قد أدى بسياسيي العراق الجديد إلى الشعور بالاحباط، فكان عليهم أن يبتكروا سببا لاعلان الحرب على تلك المدن.

ولكنها حرب ستكون عبثية، ولن تؤدي إلى النتائج المرجوة من جهة اقناع سكان تلك المدن بان الحل يكمن في التقسيم، ما لم تقع ضد جماعات تكفيرية يكون وجودها خطرا على ما تدعي الحكومة العراقية تمثيله من المكون الطائفي الذي يشكل الاغلبية. بطريقة أو بأخرى كان نظام الحكم يخطط لقيام حرب طائفية تكون تمهيدا لمشروع التقسيم.

كان تنظيم داعش هو كلمة السر في تلك الحرب.

لقد سُمح لداعش أن يستولي على الفلوجة كما يُقال. ولكن هل كانت الفلوجة فارغة من الاجهزة الحكومية المسلحة التي تحمي أمن سكانها حين اجتاحها الارهابيون؟ لنفترض أن تلك الاجهزة قد أخذت على حين غرة في الفلوجة، فما لها تخلي مواقعها في أجزاء من الموصل ليحتلها مجاهدو داعش؟

ألا يعني ما يحدث أن هناك اتفاقا مسبقا لتبادل الادوار؟

"إن لم ترض بما نمارسه عليك من إذلال صار عليك أن تواجه القهر الذي تجلبه داعش معها وهي التي صدرت صورتها إلى العالم من خلال امارة الرقة في سوريا". هل نبالغ حين نقول إن الجيش العراقي قد سلم الفلوجة من قبل وهو الان يسلم الموصل إلى داعش عقابا على ما ارتكبه سكان المدينتين من أفعال تؤكد حرصهم على شعور وطني، صار بمثابة ذنب؟