مصر وأزمة القيادة الموازية

الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسي وضع يده على واحدة من الأمراض المصرية المزمنة، عندما أكد على عدم السماح بوجود قيادة موازية في البلاد. فهذه الآفة أدت إلى تآكل جزء كبير من دور الدولة خلال الفترة الماضية، وتسببت في شيوع حالة من الفوضى في كثير من مناحي الحياة، وكاد الاستمرار في تكريس القيادات الموازية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وروحيا وتعليميا وحتي قضائيا، أن يلغي القانون ويهمش القيادة المركزية ويحول البلاد إلى ما يشبه جمهورية موز.

إشارة السيسي البليغة إلى أنه رئيس لكل المصريين، تقطع الطريق على ثقافة "الجيتو" التي حاول البعض نشرها في مصر، وترمي إلى تحاشي أخطاء السنوات الماضية. فقد أفضى ضعف نظام حسني مبارك إلى نشأة كيانات موازية في مجالات مختلفة، نازعت الدولة في صميم اختصاصاتها، وتفوقت عليها أحيانا، وهو ما أعطى انطباعات بأهميتها، خاصة أن قدرتها على الحل فاقت قدرة الدولة، وشجع الحسم والايجابية التي بدت عليها هذه الكيانات كثيرين على تكرار التجربة في أماكن مختلفة، وتوسيع نطاقها.

مشكلة ما يسمي بالقيادات الموازية في مصر لا تقتصر على جماعة الإخوان والانغلاق الذي عاشت فيه، بل في تحولها إلى أسلوب حياة لدى بعض القطاعات. فمن ينظر إلى المجال الديني، يجد أن هناك العديد من القيادات التي يسمع الناس كلمتها (فتواها) ويتجاهلون دور المؤسسة الدينية الرسمية، الممثلة في الأزهر، الذي ساهم تراجع دوره في تقدم الجماعات المتشددة، ونجاحها في استقطاب عناصر كبيرة من المواطنين. لذلك عندما يستعيد الأزهر دوره، وفقا لمنطق السيسي، سيتم قطع الطريق على هيمنة خطاب التطرف على عقول الشباب، والغاء دور أصحابه تماما، الأمر الذي تحتاجه مصر خلال الفترة المقبلة، حتى يمكن سد الثغرات التي نفذ منها الإخوان والسلفيون إلى قاع المجتمع والتحكم في مفاتيح رئيسية فيه.

من يراقب المجتمع المصري يجد أن حكاية القيادات الموازية أعمق مما طرحه السيسي في شكل رسالة سياسية، من المؤكد أنها وصلت لمن يهمهم الأمر. فهذا النوع من الخصال يكاد يكون موجودا بوفرة، وجرى التوسع فيه عن قصد أو عن جهل، عندما فقدت الدولة سيطرتها على مجالات متعددة. ففي المجال الاقتصادي كادت ظاهرة شركات توظيف الأموال الإسلامية أن تدمر اقتصاد الدولة في مرحلة من المراحل، ومع أنه تم القضاء عليها، لكنها عادت بطرق التفافية، عبر احتكار بعض الصناعات، مستفيدة من ديناميكية بعض القوانين، بشكل منح رجال الاقتصاد مزايا نوعية، وحولت عددا منهم إلى اخطبوط (قيادة اقتصادية) يصعب الاقتراب منه.

وفي مجال التعليم، لم يعد لوزارة التربية والتعليم دور مؤثر على كثير من أصحاب المدارس الخاصة، التي وضعت لنفسها مناهج خرجت في معظمها عن الأسس والضوابط التي وضعتها الوزارة، وأصبح هناك ما يعرف بـ "لوبي المدارس الخاصة" له قوانينه وقياداته التي لا تخضع للوزارة تقريبا. والأخطر أن جماعة الإخوان استفادت من الترهل في هذا الفضاء وسنت قوانينها الخاصة، وعقب سقوط حكمها صحت وزارة التربية والتعليم على كابوس مدارس الإخوان، وبدأت خطة في استعادتها تدريجيا.

رغم الدور المهم الذي يقوم به القضاء العرفي في سيناء وصعيد مصر، لحل الكثير من المشاكل والمنازعات، غير أنه يظل في جوهره معبرا عن انتقاص دور الدولة، وقد تم التوسع في اللجوء إليه في الآونة الأخيرة، وتولت القيادات المحلية تسوية عدد كبير من المشكلات المفترض أن تكون في صميم اختصاص القيادات المحلية، المعينة رسميا من قبل الدولة، وهو ما أضفى هالة ووجاهة على شخصيات، تضخمت شعبيا بصورة لا تستطيع الدولة ومؤسساتها الاقتراب منها أو الحد من نفوذها، والأدهى أن بعض القيادات الرسمية تلجأ إلى هؤلاء لمساعدتهم في حل الأزمات الاجتماعية المحتدمة.

كانت فترة حكم الإخوان أزهى فترات القيادات الموازية، حيث استغلت الجماعة صعودها إلى قمة السلطة، وسمحت لأتباعها بالعمل وفقا لخطة ممنهجة لتقليص صلاحيات الدولة، وتشجيع الكيانات والقيادات الموازية لمناطحتها المؤسسات الرسمية. والخطورة أن هذا الاتجاه وصل إلى المجال الأمني، حيث بدأت الميلشيات المسلحة التابعة للاخوان وحلفائهم تنخر في جسد المجتمع المصري، وتقدم نفسها على أنها البديل الشرعي لجهازي الشرطة والجيش في ضبط الأمن. وظهرت بصمات هذه الفرق في عدد من المحكات الأمنية للدفاع عن الإخوان، وكان من المخطط لها أن تحل محل الأجهزة الأمنية الرسمية، التي لم تنصع لحكم القبيلة الإخوانية، إلى أن أنقذت ثورة يونيو – حزيران 2013 الموقف وأنهت دور هذه الميلشيات اجتماعيا، لكن لا تزال بقاياها تقاتل ضد الدولة.

عندما شدد الرئيس السيسي على أن هناك قيادة واحدة للدولة ممثلة في رئيسها، كان يرمي إلى عدم تهاونه مع أي شخص يتزعم جماعة ويحاول أن يضفي على نفسه قداسة روحية أو سياسية، بما يعني أن ظاهرة المرشد العام للإخوان المسلمين لن يكون لها مجالا في مصر الجديدة، وقد تعزز هذا الاتجاه بكلامه الواضح عن أنه رئيس لكل المصريين، في إشارة إلى عدم العودة لعهد الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي كان في نظر المواطنين رئيسا لجماعته وعشيرته فقط.

الحاصل أن مشكلة مصر مع القيادات الموازية لن تنتهي تماما إلا بوقف حالة الترهل السائدة منذ فترة، واشتداد عود الدولة، وقيام المؤسسات الرسمية بأدوارها على أكمل وجه، حتى لا تسمح لجهات أخرى موازية لها مآربها بمناطحتها، وتغليب حكم القانون وتطبيق نصوصه على الجميع، والمؤشرات الراهنة تقول أن مصر عازمة على توحيد القنوات الشرعية، ومواجهة أي خروج يمس بسيادة الدولة وبسط نفوذها ماديا ومعنويا.