بنية التحولات في 'ليالي ألف ليلة' لنجيب محفوظ (3 / 6)

رحلة التحولات في الشخصية المحورية

في الفاتحة النصية للرواية يستدعي شهريار (الشخصية المحورية للقصة الإطار) وزيره دندان عقب صلاة الفجر، وبدا في مجلسه "على ضوء قنديل وحيد، سافر الرأس، غزير الشعر أسوده، تلتمع عينيه في وجهه الطويل، وتفترش أعلى صدره لحية عريضة"؛ ثم يأمر بإطفاء القنديل الوحيد، ويخبرنا الراوي بأن شهريار تمتم قائلاً: "ليكن الظلام كي أرصد انبثاق الضياء". ثم يعلن أمام وزيره دندان (والد شهرزاد) عن زواجه من شهرزاد، وقال بارتياح:

"حكاياتها السحر الحلال تفتحت عن عوالم تدعو للتأمل"

تبدأ رواية "الليالي" من حيث انتهت حكايات ألف ليلة وليلة القديمة معلنة توبة شهريار عن سفك الدماء وقتل العذارى وزواجه من شهرزاد؛ لكن توبة شهريار ليست مطلقة، وتحوله من الشر إلى الخير لا يزال رهيناً بأشياء أخرى. ولا يزال السلطان قانعاً في داخله أن "العدل له وسائل متباينة، منها السيف ومنها العفو، ولله حكمته"، ولا يزال الوجود في عين السلطان "أغمض ما في الوجود!".

إن الراوي في الفاتحة النصية للرواية يدس إشارات تدفع القارئ إلى التشكك في توبة شهريار، فحكايات شهرزاد تفتحت عن عوالم تدعو إلى التأمل، أي أن شهريار لم يتأمل بعد تلك العوالم الذي بدت له، فهو لم يدرك الضياء بعد؛ إن وزيره دندان حين يتم استدعاؤه لمقابلته كان يغمغم وهو يرتدي ملابسه:

"الآن تقرر المصير... مصيرك يا شهرزاد".

إن دندان لم يكن يعلم بعد إن كان شهريار سيتزوج من شهرزاد أم أنه سيقتلها؛ ويخبرنا الراوي أنه عندما دخل عليه "لم يستطع أن يستشف ما وراء وجهه من رضا أو سخط". لكن قلق دندان قد تبدد قليلاً عندما أعلن شهريار زواجه من شهرزاد، فيدعو له بقوله: "سدد الله خطاك إلى حكمته". وكأن شهريار لم يهتد بعد إلى الحكمة الخلاص.

توبة شهريار ليست مطلقة، وتحوله من الشر إلى الخير ليس مطلقاً أيضاً. والراوي في الفاتحة النصية للرواية لا يكف عن الإشارات التي تجعل القارئ متشككاً في توبة شهريار.

إن شهرزاد تسر إلى أبيها بأنها كلما اقتربت منه تنشقت رائحة الدم، والجريمة هي الجريمة، فكم قتل شهريار من العذارى، وكم أهلك من أهل التقي والورع، والمملكة لم يبق فيها إلا المنافقون؛ ودندان لا يملك، في تلك الحالة، إلا أن يوجه النصيحة إلى شهرزاد بقوله: "حذار يا بنتي فإن الخواطر تتجسد في القصور وتنطق". وإذا نطقت الخواطر وتجسدت فإن شهرزاد لن تلقى إلا السيف، فالسلطان يجتمع في قلبه الكبر والحب معاً، فهو "يحب ذاته أولاً وأخيراً".

لا يكف الراوي في الفاتحة النصية عن تلك الإشارات التي تشكك في توبة شهريار، فالشيخ عبدالله البلخي الذي يقيم في دار بسيطة في الحي القديم، والذي يصفه الراوي بأنه: "تنطبع نظرته الحالمة في قلوب الكثيرين من تلاميذه القدامي والمحدثين، وتنطبع بعمق أبدى في قلوب المريدين"، لم يرد على ابنته "زبيدة" عندما قالت بكل سرور: "المدينة فرحانة يا أبي"، وعندما كررت عليه في إيضاح: "المدينة فرحانة لأن السلطان رضي بشهرزاد زوجة له وعدل عن سفك الدماء"، لم يعلق أيضاً ولكن يأتي تعليق الراوي المبئر في عبارات:

"لا شيء يخرجه من هدوئه... الرضا في قلبه لا ينقص ولا يزيد، وزبيدة ابنة وتلميذة ولكنها في أول الطريق".

إن الراوي يحاول أن يبصر القارئ بأن زبيدة لا تزال في أول الطريق وأنها لم تدرك بعد ما أدركه الشيخ من أن شهريار لم يصل إلى الخلاص، ولم يصل إلى التوبة، ولم يتحول مطلقاً عن الشر.

وعندما يدخل عليه الطبيب عبدالقادر المهيني ويقول له: "عرفت لاشك الخبر السعيد"، فيقول الشيخ: "عرفت ما يهمني معرفته".

في مقهى الأمراء وهو العنوان الرابع في الفاتحة النصية تردد الأصوات:

- الفاتحة على أرواح الضحايا..

- وداعاً للدموع...

- الحمد والشكر لله رب العالمين....

- وطول العمر لدرة النساء شهرزاد....

- شكراً للحكايات الجميلة...

- ما هي إلا رحمة الله حلت....

وكأن الراوي مدفوع إلى تأكيد أن الحكي يبدأ من حيث انتهت الحكايات القديمة، لكنه في الوقت نفسه يدسّ إشاراته النصية التي تشكك في توبة شهريار، وأنه لم يتحول بعد عن الشر إلى الخير المطلق بزواجه من شهرزاد.

إن الراوي يعلن أيضاً عن رحلة التحولات في الشخصية المحورية.

د. مصطفي بيومي عبدالسلام - أستاذ النقد الأدبي المشارك (كلية دار العلوم- جامعة المنيا)