'كلمة' يترجم 'طرديات' ألكسندر دوما

أبوطبي ـ يأتي كتاب "طرديات" (نصوص في الصيد)" لألكساندر دوما ضمن سلسلة "كلاسيكيّات الأدب الفرنسيّ" التي استحدثها مشروع "كلمة" للترجمة ويحرّرها ويُراجع ترجماتها الشاعر والأكاديميّ العراقيّ المقيم في فرنسا كاظم جهاد.

عُرف رائد الرواية التاريخيّة في فرنسا ألكساندر دوما (1802-1870) بنوعين من الشّغَف يمنحان نصوص هذا الكتاب نكهة خاصّة ومذاقاً فريداً، ألا وهما هيامه بالطّراد أو الصّيد، وولعه بالمحادثة. للشغف الأوّل يكرّس الكاتب براعته العالية في الرصد والوصف، وللثاني يحشد كلّ قدراته في استعادة محاورات فذّة أو ابتكارها، بأقرب ما يمكن من الواقع، وبألصق ما يمكن بالحياة، لا سيما أن حياته دوماً حبلى لديه بالمفاجئ والفريد وغير المتوقّع، وهذا كلّه يكتنف أيضاً كتاباته.

اعتاد الناشرون الفرنسيّون اقتطاف النصوص الخمسة المقدَّمة في هذا الكتاب من آثار الكاتب العديدة، وتقديمها في باقة واحدة، لأنّها مكرّسة جميعاً لعالم الطرائد والحيوانات البريّة. النصوص الأربعة الأولى تخصّ تجربة الصّيد بصريح العبارة، وأضيفَ إليها نصّ خامس هو صفحات مقتطفة من "معجم ألكساندر دوما المطبخيّ الكبير"، تتضمّن أجمل تصوّراته لطبخ الطرائد وتقريظاً متواصلاً للذائقة وللطبخ الذي يرتفع لديه إلى مصاف فنّ رفيع.

في النصّ السرديّ الأوّل، "شذى شبابٍ وخريف"، يحكي الكاتب رحلاته الأولى للصّيد، رحلات تلقينيّة لا في عالم الصيد وحده بل في الحياة الراشدة عموماً. يصطحبنا دوما إلى عالم الرجال المكافح المتآخي في رحلات عجيبة يتخلّل اثنتين منها موتان مأساويّان مترابطان.

وعلى ما في التجربة من إيلام، تظلّ الدعابة حاضرة هنا دوماً، كما في سائر أعمال الكاتب، إلى جانب عرى الصداقاتٍ المتينة التي توحّد البشر، وتجمعهم حتّى بالحيوانات والأشياء.

والنصّ السرديّ الثاني عنوانه "كلب صيدٍ اسكتلنديّ". فيه يرسم صورة معنويّة أو نفسانيّة لكلب شديد التحرّر، بالغ الغيرة على استقلاله، اسمه بريتشارد.

والنصّ السرديّ الثالث، وعنوانه "رحلة لصيد ظباء الجبل"، قصّة بليغة في معنى الرفقة الإنسانيّة في حضرة الخطر، وأمام تهديد الموت، وفي دلالات الوعد والعهد والوفاء والتضامن المبرم واللّا معْدل عنه.

وفي النصّ السرديّ الرابع، "رحلة لصيد الشحرور البروفنساليّ"، يبلغ حسّ السخرية لدى دوما أقصاه، ودائماً على أساس من محبّة الرفقة والتعاضد الإنسانيّ. طائر محاط بهالة أسطوريّة يجرّ وراءه موسيقيّاً معروفاً وهاوياً للصيّد في رحلة عجيبة تُبعده عن داره ومحلّ عمله وعالمه الأليف.

وأخيراً، يحمل النصّ الخامس صفحات من معجمٍ للطبخ كان دوما قد عُني في سنيّه الأخيرة بوضعه، في ألف صفحة ونيّف، ونُشر بعد رحيله بثلاث سنوات، أي في 1873، بعنوان "المعجم المطبخيّ الكبير".

هي صفحات تُضاف إلى أدب المائدة العالميّ، لا يكتفي فيها دوما بتقديم وصفاته المطبخيّة الأثيرة، بل يعرّف بالطرائد المكوّنة منها طبخاته، ويمعن في وصف سجاياها، هي والنباتات، ويصف بكلمات الخبير والفنّان الطعمَ الذي يمكن أن تناله لدى تحضيرها بهذه الطريقة أو تلك.

وعلى العموم، يتحوّل الصيد في طرديّات ألكساندر دوما هذه إلى تأسيس للذّات، وإلى تربية وفنّ وصداقة تشتدّ أواصرها لا بين رفاق الصيد وحدهم بل كذلك بين الصيّاد وحيوانه الأليف، مرافقه في القنص ومُسعِفه. كما يترافق هذا بنظرة عطفٍ يلقيها الصيّاد الحقيقيّ على الطريدة، لا بل باحترامٍ لها شديدِ الإلزام. هو ميثاق يفرض التعفّف عن إيذاء الحيوان، وعن الطمع بصيدٍ يفوق الحاجة، ودعوة إلى احترام التوازن البيئويّ، وفلسفة واضحة في الاعتدال.

المترجم محمّد بنعبود سبق له ترجمة عدد من الأعمال الادبية الهامة مثل روايتا "المصريّة" و"ابنة النيل" لجيلبرت سنويه، وروايتا "اغتيال الفضيلة" و"مخالب الموت" لميلودي حمدوشي، وكتاب "الرّاحل على غير هدى، شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام" لسلام الكندي، ومجموعة دراسات نقديّة لميلان كونديرا بعنوان "لقاء"، ومجموعة حكايات للأديب المالي أمادو همباطي با، عنوانها "لا وجود لخصومات صغيرة"، وللكاتب ذاته "حكايات حكماء أفريقيا وأسطورة انجدّو ديوال"، وثلاثة كتب للناشئة لألكساندر دوما صدرت عن مشروع "كلمة".