مشروعية «التمثيل» بجثث قتلى النزاع المذهبي!

بصرف النظر عن دواعي واسباب الصراع الدائر اليوم في سوريا والعراق، بين مختلف اطراف النزاع، فإن عملية ترويج مشاهد وصور الاشلاء والدماء والتمثيل بجثث الموتى أو إهانتها، سواء من خلال وطأها بالأحذية أو الجزم العسكرية وغيرها من الاعمال المهينة والمشينة، وبمعزل ايضا عن الطرف الذي يمارس هذه الاساليب القذرة، فهي في المحصلة النهائية، افعال إجرامية ولا انسانية ومنافية للأخلاق الاسلامية والذوق الانساني المحترم.

ومن المؤسف حقا ان بعض الحركات المحسوبة على الاسلام السياسي، التي كان يفترض أن تقدم نموذجا راقيا من المناقبيات الاخلاقية الرفيعة والمواقف الانسانية النبيلة، اثناء تعاطيها مع حالات النزاع والاحداث الجارية في المنطقة، قد وصلت الى مستو متدن من الانحطاط الاخلاقي والقيمي يصعب وصفهما وتسميتهما.

لقد شهدت مؤخرا بعض النقاشات الفكرية العابرة، بين اشخاص كنت احسبهم متدينين وواعين لكونهم يتبنون اهدافا نبيلة وسامية، ويتمتعون بحس انساني رفيع، شهدتهم وهم يتجادلون فيما بينهم حول سؤال، وإن كان غير معلن، عن مشروعية التمثيل بجثث قتلى النزاع المذهبي المحسوبين على الطرف الآخر وإهانتها، فتفاجأت أن ”البعض“ منهم كان يؤيد ”ضمنا“، وليس صراحة، تلك الممارسات الوحشية ويبررها، بل ويتباهى بها، ويعمل على ترويجها ايضا!.

هذا النمط من الناس، بالمناسبة، لا يمارسون تلك الافعال خفية، وانما في العلن ”شاهر ظاهر“، ويمكن لأي فرد ان يقف على تلك المقاطع والصور التي يروجها هؤلاء، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ليس بهدف التحذير أو التوعية وبيان مخاطر هذه المناظر المقززة، وإنما بغرض استفزاز الطرف الآخر، واشباع نزوة الفخر والتشفي، وكذلك للبرهنة على تحقيق بعض المكاسب الزائفة، التي حققها ذلك الطرف الذي يميل الى صفه!

إن بث صور ومشاهد النزاع المذهبي الفظيعة والمقززة، عبر مختلف الوسائل الاعلامية، لن يساهم في تأجيج النزاع الطائفي، وتكريس صورة سيئة عن اخلاقيات المسلمين قاطبة وقيم الاسلام في نظر الاخرين، وتعزيز حالة العداء والكراهية والبغضاء بين المسلمين فقط، وإنما سيساهم ايضا في تأجيج الصراع وادامته إلى أمد طويل، إلى جانب تغذية نزعات العنف والكراهية والاحقاد بصورة اشد وأكثر، وهذا لن يجلب الخير والاستقرار والامن في عموم بلداننا والمنطقة ككل.

وبدلا من تبرير تلك الممارسات الشنيعة وغير الانسانية لتوسيع دائرة النزاع وادامته الى أمد طويل، كنا نأمل ولا زلنا من وسائل الاعلام وجميع العقلاء والواعين في هذه الأمة، شجب واستنكار هذه الصور والمشاهد ورفضها، والضغط على اطراف النزاع المعنية بالتوقف عن إراقة الدماء وممارسة القتل العشوائي والتدمير الممنهج، هذا فضلا عن ترويج تلك المشاهد الفاضحة والمخزية، لما يتضمنه هذا النهج الوحشي من اضرار ومخاطر فادحة على الجميع.

وفي حال اصرت بعض اطراف النزاع على الاستمرار في التخلي عن ضوابط واخلاقيات وآداب الصراع والتمثيل بجثث القتلى، لأسباب ودواعي مختلفة، فلا ينبغي للأطراف المقابلة المعاملة بالمثل أو الانجرار الى هذه اللعبة القذرة وغير الانسانية، وإن كان بمقدار الترويج والتباهي بنشر المشاهد المذلة والمهينة.

لقد كان الربيع العربي صراعا سلميا بين الاستبداد والحرية، وحولته الجماعات الاسلامية المتطرفة والقوى الداعمة لها، الى صراع مذهبي مسلح وقذر، وبلا ادنى ضوابط اخلاقية وقيم انسانية. وهذا من أخطر واشد انواع النزاعات التي تعيشها المنطقة اليوم، وأكثرها إيلاما.