بنية التحولات في 'ليالي ألف ليلة' لنجيب محفوظ (2 / 6)

تخلت الرواية عن وظيفة الحكواتي

تحاول تلك الدراسة، كما أشرت سلفاً، أن تكشف عن النظام أو البنية الكامنة خلف التجلي السردي في رواية "ليالي ألف ليلة"؛ أي أن الدراسة تسعى إلى أن تفهم كيف حصلت تلك الرواية على نتائجها السردية، وما الذي يجعل تحققها السردي ممكناً.

ربما يبدو أن هذا المسعى يفتقد إلى تأويل ما تقوله الرواية أو ما تطرحه. إن أي نص أدبي لديه أشياء يخبرنا بها ونريد أن نعرف ماذا تكون هذه الأشياء؟

إن هذا يقتضي البحث لاكتشاف المعنى ومحاولة تأويله؛ هذا البحث عن المعنى يتعلق بالمسعى الهرمنيوطيقي لرواية "ليالي ألف ليلة"، وعلى الرغم من أن المسعى البنيوي متباين عن المسعى الهرمنيوطيقي من حيث المبدأ، فإن أعمال النقد الأدبي، كما يطرح جوناثان كولر، تمزج البيوطيقي والهرمنيوطيقي. إن المسعى الهرمنيوطيقي لرواية "ليالي ألف ليلة" سوف يتخلل المسعى البنيوي.

عنوان الرواية هو العتبة التأويلية الأولى التي يوجهها القارئ، وربما يثير العنوان سؤالاً أساسياً يدور حول علاقة الرواية بحكايات ألف ليلة وليلة القديمة، وربما لا يخفق القارئ في توقعه منذ الصفحة الافتتاحية الأولى التي تتحدث عن "شهريار" وحواره مع وزيره "دندان"؛ فالعنوان يمثل نصاً موازياً لنص الرواية، ويحيل إلى أمرين:

أولهما: أنه يستدعي عنوان الحكايات القديمة (ألف ليلة وليلة) مع صياغة جديدة تفترض حالة من الاختيار من هذه الليالي، وثانيهما: أن هذه الصياغة الجديدة تستحضر "بطريقة واضحة متناصاً شهيراً"، فالرواية قدمت شخصيات متشابهة بداية: بشهريار وشهرزاد، وانتهاءً: بمعروف الاسكافي والسندباد، واستخدمت بعض عناوين الحكايات القديمة؛ لكن موضوعات الرواية تختلف عن الحكايات القديمة، وتستخدم تقنيات سردية مختلفة إلى حد كبير، فقد تخلت الرواية عن وظيفة الحكواتي التي أسندت إلى "شهرزاد" في الحكايات القديمة، وأسندت مهمة الحكي إلى راوي/ سارد ينتمي إلى ما يطلق عليه منظرو السرد: سرد الشخص الثالث، أو الراوي بضمير الغائب. والراوي المكلف بالحكي يسرد الأحداث من وجهة نظره، أي أن الراوي المشيد في نص الليالي يسرد ويبئر الأحداث في الوقت نفسه.

تتكون رواية "ليالي ألف ليلة" من فاتحة نصية طويلة تشغل عناوين أربع هي: شهريار، وشهرزاد، والشيخ، ومقهى الأمراء، وثلاث عشرة حكاية هي: صنعان الجمالي، وجمصة البلطي، والحمال، ونور الدين ودنيا زاد، ومغامرات عجر الحلاق، وأنيس الجليس، وقوت القلوب، وعلاء الدين أبو الشامات، والسلطان، وطاقية الإخفاء، ومعروف الاسكافي، والسندباد، وأخيراً البكاءون. وتقع رواية الليالي ضمن إطار ما يطلق عليه "سرد الشخص الثالث" أو الراوي بضمير الغائب، كما أشرت سلفاً، أي أن المكلف بالحكي أو الرواي/ السارد لا يكون متحققاً بوصفه شخصية ما في القصة أو الحكاية على وجه العموم، كما أن جميع الشخصيات يتم الإشارة إليهم من خلال الشخص الثالث (الذي لا يقول أنا) عن طريق الاسم أو الضمير.

في الفاتحة النصية من رواية الليالي يقوم الراوي بتقديم شخصيات حكايته أو حكاياته، بداية بالشخصية المحورية في الرواية "شهريار"، ووزيره دندان، وشهرزاد، وأختها دنيا زاد؛ ومروراً بالشيخ عبدالله البلخي، والطبيب عبدالقادر المهيني، والسادة أمثال: صنعان الجمالي وابنه فاضل، وحمدان طنيشة، وكرم الأصيل (صاحب الملايين)، وسحلول تاجر المزادات والتحف، وإبراهيم العطار وابنه حسن، وجليل البزاز، ونور الدين بائع العطور، وشملول الأحدب (مهرج السلطان)؛ وانتهاءً بالعامة أمثال: رجب الحمال وزميله السندباد، وعجر الحلاق وابنه علاء الدين أبو الشامات، وإبراهيم السقاء وغيرهم.

تنطوي رواية "ليالي ألف ليلة" على بنية كبرى للتحولات تتجلى في الإطار الكلي للحكي أو ما يمكن أن نطلق عليه القصة الإطار، تلك البنية تتجلى في أداء الشخصية المحورية في الرواية لدورها، وتحولها من الشر إلى الخير، أي أن الحكي يبدأ بالشر ويتوقف عندما تتحول شخصية شهريار إلى الخير المطلق أو التوبة المطلقة.

وتنتظم داخل هذه البنية الكبرى بنيات صغرى تتجلى في سلسلة القصص المضمنة التي تحدث في مدينة شهريار، وذلك من خلال "نظيرة" الشر والخير، من حيث كونها نظيرة خاصة بموضوع يتكرر في كل قصة من القصص المضمنة. فالحكى أيضاً في تلك القصص يبدأ بالشر ويتوقف عندما يتوقف الشر متحولاً إلى الخير أو الخلاص أو التوبة. لكن لابد من الانتباه إلى أن تلك البنيات الصغرى للتحولات تؤسس تطور البنية الكبرى أو تدفعها إلى النمو والتطور حتى يكتمل مجلاها أو تجليها السردي في تحول الشخصية المحورية في القصة الإطار إلى الخير المطلق أو الخلاص.

د. مصطفي بيومي عبدالسلام - أستاذ النقد الأدبي المشارك (كلية دار العلوم- جامعة المنيا)