الولايات المتحدة والسعودية وإيران والتفاهم حول أمن الخليج والمنطقة

اتخذت الولايات المتحدة في التعامل مع أمن المنطقة مسارين. الأول، كان عن أمن الخليج العربي، والثاني، جاء عن أمن المنطقة وخصوصا حول الأزمة السورية.

حسمت الولايات المتحدة أمرها بعد تردد طويل وخصوصا بعد فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بالإفصاح عن موقفها الواضح والصريح بالتزامها بأمن الخليج واستقراره وأنه موقف لا يتزعزع.

بدأت الولايات المتحدة في مراجعة استراتيجياتها ووجدت بأن تراجعها الاستراتيجي في منطقة الخليج سيعيد ترتيب أوراق المنطقة لصالح الصين، خصوصا بعدما وجدت أن السعودية صارت تتجه شرقا وبدأت المبادلات التجارية بين السعودية والصين ترتفع ووصلت ذروتها في عام 2013 بنحو 278 مليار ريال مرتفعة من 34 مليار ريال عام 2004 بينما المبادلات التجارية بين السعودية والولايات المتحدة بدأت تتجه نحو الانخفاض في عام 2013 عن عام 2012 وان كان الانخفاض بنسبة ضئيلة من 287 مليار دولار إلى 282 مليار دولار.

ولكن أعطى هذا الانخفاض إشارة سريعة للولايات المتحدة، خصوصا بعد تعزيز الصين علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية بعد زيارة الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد والتي توجت باتفاقيات تجارية وتقنية وفضائية، أي يمكن أن تتوصل السعودية لتطوير خيارات استثنائية بعيدا عن الولايات المتحدة.

فالسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط في ضوء التقارب مع إيران لم تمنعها من إعطاء إشارة واضحة لإيران بأن أمن الخليج خط أحمر، ولا يمكن المساس به، مما جعلها تقدم على تطورات أمنية جديدة تتطلب صياغة سياسات ومواقف في مقدمتها التنسيق والتعاون بين قطاعات الدفاع في دول المجلس، أي أن إيران لا يحق لها اختراق دول المجلس، ولا يحق لها التنسيق الثنائي مع أية دولة من دول المجلس على حساب أمن بقية دول المجلس الأخرى، بل إن ملفات إيران وسوريا ومصر واليمن كانت على أجندة وزير الدفاع هيغل في جدة في 13/5/2014.

الولايات المتحدة بدأت تنظر إلى جميع ملفات منطقة الشرق الأوسط كملفات متشابكة ومترابطة، وأصبح هم الولايات المتحدة الوقوف أمام توصل إيران إلى برنامج نووي وبناء رؤوس نووية.

ونتيجة عقوبات اقتصادية قاسية، أجبرت إيران على الرضوخ في دخول مفاوضات نووية، ولكن يصف الجانبان بأن المفاوضات بين الجانبين لعبة سباق نهائي في فيينا.

وتعتبر إيران أن التزام أميركا بأمن الخليج بعد فترة غموض قد تكون أنها كانت إشارة تمويهية من قبل الولايات المتحدة بأنه تراجع أميركي من منطقة الخليج لصالح الانتشار في آسيا من أجل التوصل مع إيران إلى اتفاق حول النووي.

بينما تغيرت الآن الأوضاع الجيوسياسية خصوصا بعد الأزمة الأوكرانية وصراع الغرب مع روسيا، ما جعل إيران تغضب وترسل إشارات غاضبة على لسان المستشار العسكري لخامنئي يحي رحيم صفوي بانتصار إيران في الحرب سماها بالأهلية في سوريا، ورسم الخط الأمامي للدفاع الوطني الإيراني على الحدود الجنوبية اللبنانية المتاخمة لإسرائيل وهو ما دفع جنبلاط إلى القوم بأن اختيار الرئيس اللبناني القادم سيكون الناخب الإيراني رئيسي.

سيكون انتخاب الرئيس اللبناني القادم في دائرة التجاذبات الإقليمية والدولية، ولكن تحاول الولايات المتحدة مغازلة العماد عون بانتخابه رئيسا للبنان، ولكن شرط أن يدخل في حوار جدي مع حزب الله لتحديد مصير سلاحه، ووضح عون أن التعاطي مع سلاح حزب الله في حال انتخب رئيسا سيجري على أنه ضرورة ريثما يزول الاحتلال الإسرائيلي وتتوقف التعديات البرية والبحرية والجوية للسيادة اللبنانية، وبذلك متى تأمن ذلك انتفت الحاجة لحزب الله وسلاحه، بل إن دبلوماسيين في فيينا قالوا إن إمكانية رفع الحظر عن إيران مرتبطة بما يجري في الشرق الأوسط.

بينما تعتبر إيران أن خط الدفاع الأول أصبح في جنوب لبنان، وبذلك يصبح ملف حزب الله إلى موضوع خارج إطار البحث بعدما ربط رئيس المجلس السياسي لحزب الله إبراهيم أمين السيد بين قتال الحزب في سوريا وحماية فلسطين.

لكن تصريح سعود الفيصل خلال افتتاح المنتدى العربي – الآسيوي بالرياض حينما قال نأمل في حل الخلافات مع إيران، وأن سياسة الدول المتقدمة في المنطقة غير متزنة، وهما إشارة باعتراف السعودية بإيران قوة إقليمية، جعلتا الخارجية الإيرانية تصرح بأن طهران والرياض قادرتان على إعادة الاستقرار للمنطقة. وفورا أعلن عبد اللهيان استعداد طهران لدعم اليمن لتهدئة أوضاع المعارك الدائرة بين الجيش اليمني والحوثيين بعد رفض الجيش اليمني بقاء أسلحة خارج جيش الدولة، حيث تدرك طهران اهتمام السعودية بأمنها في الجنوب أولوية، قد يكون مقابل التغاضي عن حزب الله في لبنان، والسعودية دولة قادرة على إقناع الولايات المتحدة في غض الطرف عن سلاح حزب الله اللبناني.

ورغم استخدام روسيا والصين الفيتو ضد قرار أعدته فرنسا بشأن إحالة سوريا للمحكمة الجنائية دعمته 60 دولة وصوتت بقية الدول الأخرى في المجلس ال 13 في 22/5/2014 وسبق أن استخدم المجلس نفس القرار ضد دار فور عام 2005 وضد ليبيا عام 2011، ورغم دبلوماسية الولايات المتحدة التي يصفها البعض بأنها دبلوماسية السلحفاة، إلا أن الأزمة السورية بدأت تأخذ منحى جديدا بعدما التقى أوباما بالجربا في البيت الأبيض، ثم التقاء الجربا في مؤتمر لندن المجموعة الأساسية لأصدقاء سوريا الـ 11 التي بحثت إجراءات جديدة لتغيير الواقع على الأرض، ووعد المؤتمر المعارضة السورية بدعم عسكري وسياسي، وأدان الانتخابات غير الشرعية التي تجري في سوريا لانتخاب الأسد، ورفعت بريطانيا تمثيل الائتلاف المعارض، وفرنسا وعدت بسفارة توضع في تصرف الائتلاف بباريس.

فاستقالة الإبراهيمي أعطت رسالة بأن المسرحية الهزلية في سوريا ولعبة مؤتمر جنيف قد انتهت، وبدأ المجتمع الدولي يتحمل مسؤولياته لحقن الدماء في سوريا ووقف توسع رقعة الإرهاب، لذلك كان رد الولايات المتحدة على الفيتو الروسي الصيني بأنه يدعم توسيع رقعة الإرهاب.

وبدأت تدرك إيران بأنها قد حرمت من أن تكون الدولة النووية الثانية في الشرق الأوسط القادرة على استخدام صواريخ محملة برؤوس نووية وأن عنصر الزمن ليس في صالحها، خصوصا وأن إيران تعاني من الإرهاق الاقتصادي والمعنوي نتيجة تورطها في مساحات واسعة من المنطقة العربية دبلوماسيا وسياسيا وبالسلاح والجماعات المسلحة والمخابرات والتنظيمات الأيديولوجية تسببت في حالة من التمزق للمنطقة العربية وحالة من الاحتقان والانفجار فلا يمكن أن تسمح السعودية أن يتم تفتيت سوريا على غرار تفتيت العراق إلى أقاليم وجماعات.

ولكن بحكم الجغرافيا والتاريخ فإن الجميع يتأثر بهذا التفتت خصوصا وأن العراق هو الجانب الآخر من التوازن على قمة الخليج.

فالنظام الإيراني يقاتل في سوريا لأن مصيره من مصير النظام السوري، ومدى التدمير الذي يلحق بسوريا مما يكشف عمق استعمال إيران الساحة السورية بل والساحة اللبنانية بسبب أن إيران ترى في سوريا منطقة جيوسياسية تقرر توازن القوى في المنطقة، خصوصا مع السعودية، لذلك تحرص إيران على إنشاء حزب الله سوريا استعدادا للمرحلة المقبلة، فعلى أي شيء تتفاهم السعودية مع إيران، وهل هناك نقاط التقاء، وهل يمكن أن يتفق الطرفان على القضايا الخلافية؟