ضوء اخضر من اباطرة اعمال للسيسي لخفض دعم الطاقة

اصلاح الاقتصاد يحتاج تكاتف الجهود

ترك عبدالفتاح السيسي قائد الجيش المصري السابق المصريين يضربون أخماسا في أسداس عن الطريق الذي سيسلكه لمعالجة مشكلة دعم الطاقة التي تعد من أعتى مشاكل مصر إذا ما فاز في انتخابات الرئاسة الأسبوع المقبل كما تشير التوقعات.

ويتضح من نبرته المشوبة بالحذر خلال الحملة الانتخابية أنه يدرك تمام الإدراك أن خفض فاتورة الدعم الذي سيسهم في إصلاح الموازنة الحكومية قد يطلق شرارة اضطرابات من النوع الذي أطاح برئيسين خلال ثلاث سنوات.

ومع ذلك فربما يأتيه المدد للسير في هذا المسار من فئة لم يكن أحد يتوقعها تتمثل في بعض من أغنى أثرياء مصر الذين استفادت شركاتهم وأعمالهم استفادة كبيرة من سخاء الدولة.

فقد قال عدد من كبار الشخصيات في قطاع الأعمال - بما في ذلك قطاع الطاقة والصناعات التحويلية الكثيفة الاستهلاك للطاقة - إنهم يأملون أن يمسك السيسي بقضية دعم أسعار الوقود والكهرباء حتى ولو كان في ذلك مجازفة بتفجر احتجاجات في الشوارع وذلك في سبيل تلافي انهيار الموازنة العامة.

كان قطاع الأعمال أحد الأعمدة التي قام عليها حكم حسني مبارك على مدى 30 عاما ترسخ فيها نظام الدعم ومن المرجح أن ينصت له السيسي الذي سيعيد فوزه المتوقع في انتخابات الرئاسة يومي الاثنين والثلاثاء القادمين أحد رجال الجيش إلى مقعد الرئاسة بعد أن شغله رئيس إسلامي لفترة وجيزة.

وتفاقمت مشاكل موازنة الدولة بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أعقبت سقوط مبارك عام 2011 ثم عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي وما سبقه وصاحبه من اضطرابات. وتنفق الدولة 13 في المئة من الميزانية على إتاحة الوقود والكهرباء للشركات والمستهلكين بأسعار تقل كثيرا عن أسعار السوق.

وخلص قادة الأعمال إلى أن النظام الاقتصادي الذي يعاني من عملة ضعيفة وبطالة مرتفعة وعجز متزايد في الميزانية نظام لا يمكن أن يستمر على هذا المنوال ويمثل خطرا على الاستقرار بل وعلى أرباح شركاتهم أكبر من خطر الاضطرابات التي قد تنجم عن خفض الدعم.

الخوف من الشارع

جلس "ملك الأسمدة" المصري شريف الجبالي خلف مكتبه وهو يحرك السيجار بين أصابعه مجسدا ما يقول منتقدون إنه ارتباط رأس المال بالحكومة مثلما كان الحال في عهد مبارك. لكن الجبالي يصر على أن أعماله كلها على الملأ.

وقال "نحن نحتاج الجماهير. لا يمكننا العمل في وضع نعيش فيه حياتنا وننمو ونجمع المال ونعيش في مجمعات مغلقة وبقية البلاد في حالة يرثى لها..لأنهم في اليوم التالي سيخرجون إلى الشوارع وستسود الفوضى إنتاجك وكل شيء".

ويقول كثيرون من قادة الأعمال إن الفقراء سيستفيدون في نهاية الأمر من إلغاء نظام الدعم الذي لم يخدمهم بل وزاد أرباح كبار رجال الأعمال الذين تدار مصانعهم بالوقود الرخيص.

وقال حسين صبور (77 عاما) أحد أباطرة قطاعي العقارات والهندسة الذي كون جانبا من ثروته من خلال شراكة مع أكبر بنوك القطاع العام "يجب ألا نظل على تكاسلنا. لا يمكننا العيش في ظل دعم الحكومة لكل شيء".

وقال صبور الذي يتوجه إلى مكتبه المطل على النيل بسيارة ألمانية فارهة تسير بوقود لا يكلفه سعر اللتر منه سوى أكثر قليلا من ثمن زجاجة المياه إن الاستكانة إلى دعم الوقود تضعف مصالح قطاع الاعمال.

وأضاف "هذا وبال علينا جميعا في الأجل الطويل إذا استمر بنا الحال على هذا المنوال".

ويعادل سعر اللتر من البنزين العادي الذي يعتمد عليه معظم الفقراء من المصريين حوالي 12 سنتا أمريكيا للتر أي أقل من عشرة في المئة من سعر نوع الوقود المقابل في أوروبا.

ومن رجال الأعمال الذين يرون أن نظام الدعم استنفد فوائده أحمد أبوهشيمة رئيس شركة حديد المصريين إذ قال "النهاردة أنا باركب عربيتي وأنا راجل عنده مصنع. رجل أعمال. فلماذا تدعمني الدولة؟ لا تدعموني".

ذكرى الغضب

ولم يقل السيسي شيئا يذكر سوى طمأنة الناخبين أن إصلاح نظام الدعم يجب أن يكون تدريجيا. والخيارات أمامه صعبة. فخفض الدعم قد يغضب الملايين الذي يعيشون في فقر رغم مرور ثلاث سنوات على الإطاحة بمبارك التي أطلقت الآمال في مستقبل أفضل. أما إبقاء أسعار الطاقة منخفضة فقد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد.

وليس عليه سوى العودة بذاكرته إلى عام 1977 حتى يتذكر حجم المشكلة. فقد خفض الرئيس الراحل أنور السادات الدعم الحكومي لأسعار الخبز ومواد غذائية أساسية أخرى إلى النصف فكان رد الفعل أعمال شغب قتل فيها العشرات ولم تنته إلا بنشر قوات الجيش ورجوع السادات عن قراره.

واستمر هذا الوضع في عهد مبارك وظل الأغنياء يستفيدون من الدعم أكثر من استفادة الفقراء منه ليس فقط لأنهم يستهلكون قدرا من الطاقة لسياراتهم وأجهزة التكييف أكبر مما تستهلكه الأغلبية الفقيرة.

فالمصانع الكبرى مثل مصانع الأسمنت والصلب والأسمدة تستخدم كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المدعم منذ عشرات السنين رغم أن الأسعار تتباين كما أن سعر الغاز الطبيعي للصناعة يمثل نحو ثلث السعر الساري في غرب أوروبا.

والآن بدأ رجال الأعمال يقدرون أن الضرر الناجم عن الدعم للاقتصاد يفوق فوائد الطاقة الرخيصة التي أصبح توفرها يتزايد صعوبة بسبب نقص الاستثمارات. ومن الممكن أن يعيد الوضوح بشأن خفض الدعم الثقة بين المستثمرين الذين تعاقبت عليهم حكومات رأوا فيها العجز عن الحسم في هذه القضية.

وخلال السنة التي أمضاها مرسي في مقعد الرئاسة عمل على التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي كان من شأنه فرض إجراءات تقشف وزيادة الضرائب وخفض الدعم مقابل قرض قيمته 4.8 مليار دولار.

ولم تدخل هذه الخطة حيز التنفيذ وانتهت المفاوضات بلا أي اتفاق. ويقدر صندوق النقد أن دعم الطاقة يعادل ثلاثة أمثال ما تنفقه مصر على التعليم وسبعة أمثال ما تنفقه على الصحة.

وقدمت الدول الخليجية التي أيدت عزل مرسي إلى مصر مليارات الدولارات كمساعدات نقدية وعينية بما فيها المنتجات النفطية مما أتاح قدرا من حرية الحركة للحكومة المؤقتة التي يدعمها الجيش.

لكن السيسي يريد أن تكون مصر أكثر اعتمادا على نفسها.

غير أنه لم يوضح خططه. وقال مسؤولون في الحكومة الانتقالية إن إصلاح الدعم قد يستغرق فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. وفي الأسبوع الماضي قال وزير المالية إن الإصلاح الهيكلي يمثل أولوية وأضاف أنه سيعني تحسين تخصيص الأموال بين الشركات والمواطنين العاديين.

أما السيسي فلم يذكر شيئا عن إطار زمني لإصلاح الدعم.

ويتحدث السيسي عن محاولة الحد من استهلاك الطاقة المتزايد واقترح على سبيل المثال أن يسير الشبان والصغار إلى أعمالهم ومدارسهم كما أشار إلى إمكانية استخدام لمبات إضاءة موفرة للطاقة.

لكن خبراء كثيرين يقولون إن من المستبعد أن يقلل المصريون استهلاكهم للطاقة بدرجة ملحوظة إلى أن ترتفع الأسعار. وفي الوقت نفسه فإن المستثمرين الأجانب لن يشاركوا في تجديد شبكة الكهرباء وبناء محطات جديدة أو الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية إلى أن تعكس الأسعار التكلفة الفعلية لتوليد الكهرباء.

"ظهرك للحائط"

وقال طارق زكريا توفيق نائب رئيس اتحاد الصناعات المصرية إنه لابد من تحرك الرئيس المقبل في اتجاه إصلاح الدعم.

وقال "ظهرك للحائط. فإما الاصلاح وإما الفشل وثورة ثالثة".

وقال السيسي في مقابلة تلفزيونية في الفترة الأخيرة إن التحرك لإصلاح منظومة الدعم لن يتحقق على الفور لأن الأولوية عنده لإعادة قطاع الصناعة إلى وضعه الطبيعي ورفع مستوى المعيشة أولا.

لكن قادة الأعمال الذين شهدوا نضوب الاستثمارات سئموا من سماع الحجج عاما بعد عام.

وقال تامر أبو بكر رئيس شركة مشرق للبترول إن دعم الطاقة أصبح "كارثيا".

وقدم أبو بكر الذي شغل منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول لمدة أربع سنوات في عهد مبارك تقريرا للحكومة الشهر الماضي دعا فيه إلى زيادات تدريجية للأسعار.

وقال "نحن في منعطف خطير. لأننا في كل مرة كنا نقول ’انتظروا عندنا انتخابات وعندنا هذا وعندنا ذاك’. والآن نحن ننتظر وصول الرئيس. والوضع يزداد سوءا".